"الشروق" تنقل طرائف ونوادر مهنة المترجم بالمحاكم
أجانب رهن الحبس بسبب اللغة..و”الترجمان” في نجدة المتهمين
“أجانب يعودون خائبين بعد تأجيل قضاياهم” و”صينيون يترجمون لأنفسهم وآخر مكث 15 يوما كاملا في السجن للجهل بلغته” في حين “يتطوّع مواطنون ومحامون حاضرون بالجلسة للترجمة”…فهل يعود الإشكال لنقص في عدد المترجمين بالجزائر على اختلاف لغاتهم، أم هو لا مبالاة من هؤلاء فيتكاسلون عن الحضور للمحاكم، في مقابل عدم صرامة من المحكمة التي تكتفي باتخاذ المحامين أو الحاضرين في الجلسة كمترجمين؟.
-
لم يعد الأفارقة الأجانب الوحيدين الممتثلين بصفة دورية أمام المحاكم الجزائرية، فقد زاحمهم مؤخرا صينيون ويابانيون، فرنسيون، أتراك وخاصة الأكراد وأيضا أندونيسيون وحتى هنود متورطون في جرائم مختلفة، وهو ما جعل المُشرّع يلزم قضاة الجلسات بالاستعانة بمترجمين للسير الحسن للقضايا وعدم إهدار حقوق الأجانب، لكن الإشكال هو الغياب الشبه الدائم للمترجمين عن الجلسات!!.
-
-
المترجم غير ملزم بالحضور وسفارات أجنبية تضمن مترجمين لرعاياها
-
يلزم القانون الجزائري القضاة بتسيير الجلسات باللغة العربية، وهو ما يضطرهم للاستعانة بمترجم. والمترجمون هم أعوان قضائيون تابعون لوزارة العدل، يؤدون اليمين بالمحاكم أين يتم تسجيل أسمائهم، لغرض تكليفهم لاحقا بالترجمة في القضايا، ويتم استدعاؤهم عن طريق ما يسمى ”تسخيرة” من وكيل الجمهورية أو النائب العام أو رئيس المحكمة والمجلس.
-
والغريب أن المترجم غير ملزم بالحضور، حيث لا توجد مادة في القانون الجزائري تجبره على ذلك أو تعاقبه لتخلفه، بل هو حر في حضوره، لأن مهنته حرة ولديه مكتب والتزامات، حتى ولو تأجلت القضية بسببه عدة مرات، ومع غياب هذا الأخير يجد القاضي نفسه أمام خيار تأجيل القضية حتى ولو كان المتهمون رهن الحبس، أو تكليف شخص حاضر في الجلسة بالمهمة وهم عادة من المحامين، في حين تتولى بعض السفارات الأجنبية توفير مترجمين لرعاياها المتهمين.
-
-
صيني مكث 15 يوما بالحبس ومواطنة تتطوّع لترجمة أقوال المتهم
-
وعليه يبقى الموقوفين ضحايا غياب المترجمين، ومنهم مدير شركة صينية للأقمشة ولغياب من يترجم تصريحاته فقد أمضى 15 يوما كاملة في السجن عن تهمة السياقة في حالة سكر والتسبب في حادث مرور، وهو ما جعل أحد المحامين يطالب مصالح الأمن بتعيين مترجم حال توقيف أي متهم أجنبي وقبل وصول القضية للمحكمة، وصيني آخر تكفل بإحضار صديقه الصيني لترجمة كلامه، وبمحكمة شراقة تطوّعت مواطنة بالجلسة للترجمة بالفرنسية عن متهم أجنبي بعدما امتنع المحامون عن ذلك.
-
وآخرون من الأكراد “الحراڤة” أدانتهم محكمة الحراش مباشرة بالابعاد من التراب الوطني، وللجهل بلغتهم لم تستفسرهم عن سبب تواجدهم بالجزائر، أما بمحكمة سيدي أمحمد اضطرت قاضية للاستعانة بمترجمة تركية تعيش بالجزائر والتي قامت بترجمة تصريحات متهم تركي، وإن كانت ترجمتها مليئة بالأخطاء لعدم إتقانها الجيد للعربية، كما أخبرنا المحامي عمر مهدي بأنه كان موكلا لصالح مواطن مغترب بفرنسا وهذا الأخير كل مرة يحضر الجزائر تتأجل القضية بسبب غياب المترجم، ويضيف محدثنا “على الأقل يجب على القضاة توبيخ المترجم المتغيب أو إلزامه بدفع غرامات مالية”.
-
-
محامون ومتهمون يتدخلون في عمل المترجمين
-
في حين يعتبر بعض المترجمون الذين تقربنا منهم أن سبب عزوفهم عن المحاكم يعود لأمور شتى، منها إهدارهم لأوقاتهم خاصة بمحاكم الجنح، فحين يتم استدعاءهم من طرف المحكمة لايُعلمون بترقيم القضية، فهم يتركون مكاتبهم ويمكثون لساعات بالمحكمة ينتظرون دورهم بين مئات القضايا، كما أن بعض محامي المتهمين يتدخلون في ترجمتهم، ويفرضون عليهم أقوالا معينة، وهو ما حصل في قضية كان متهم فيها هندي بجناية محاولة قتل جزائري “حراڤ”، فكان محاميه يتدخل كل مرة في عمل المترجمة، ويقول بأن ترجمتها غير صحيحة، وهو ما اعتبرته المترجمة تدخلا في عملها، وهذا الأمر رفضته القاضية وطلبت من المحامي عدم التدخل، وأحيانا يواجهون تذمرا من المتهمين، ففي قضية كان متهم فيها فرنسي مدير شركة، فقد طلب من المترجمة أن تترجم له كل كلمة تقال في الجلسة من بدايتها لآخرها، رغم أنها ملزمة فقط بترجمة تصريحات المتهمين، ليبقى أكبر مشكل -حسب تصريحهم- هو عدم اطلاعهم على حيثيات الملف، فهم يدخلون الجلسة دون أن تكون لهم أدنى معلومة عن القضية، فيجدون صعوبات في الترجمة خاصة في الملفات التقنية كتلك المتعلقة بالبنوك والمؤسسات الكبرى، فيجدون أنفسهم في مواقف محرجة، وقد أرجعوا سبب غياب المترجمين للغات التركية والصينية وغيرها، هو عدم تدريس هذه اللغات في الجامعات الجزائرية.
-
-
مترجمة يطلبها إفريقي متهم للزواج وأخرى ضحية ازدحام حركة المرور
-
ومن بعض ما رصدناه من طرائف تحدث للمترجمين بالمحكمة، حيث أخبرتنا السيدة “م”، وهي مترجمة ملتزمة في عملها بالمحاكم، أن الصينيين يجدون الحلول السريعة لكل المشاكل، فحينما يحتاجون لترجمة وثائقهم المكتوبة بالصينية إلى اللغة العربية، فإنهم يتوّلون ترجمتها في الصين إلى اللغة الفرنسية حتى ولو كانت فرنسية “مكسرة”، ومن ثم يقدمونها للمترجم الجزائري لإعادة صياغتها إلى العربية، وأضافت محدثتنا أنهم طلبوها مرة للترجمة في محكمة حسين داي، فتوجهت وأمضت اليوم بكامله هناك في انتظار القضية، لتكتشف وبمجهودها الخاص بأن القضية بمجلس قضاء الجزائر برويسو، وعليه قررت العزوف عن الذهاب بعدما غرقت في زحمة المرور.
-
مترجمة أخرى قام إفريقي متهم داخل الجلسة بطلبها للزواج، ربما أراد تأمين وثائق الإقامة بالجزائر!! والأفارقة معروفون بمكرهم، فرغم إجادتهم للغة العربية وحتى العامية، حيث يعترفون بتفاصيل جريمتهم لمصالح الأمن، لكن عندما يمتثلون للمحاكمة يتمسكون بحضور مترجم بحجة أنهم لا يفقهون العربية والفرنسية، وذلك لإيهام القاضي بأن مصالح الأمن هي من لفقت لهم التهم، وهدف الأفارقة هو تحصلهم على حكم بالإبعاد من الجزائر حتى يعاودوا “الحرڤة” من جديد، بدل السجن الذي قد يصل إلى العشرين سنة خاصة عند متاجرتهم في المخدرات.