أسر يجمعها السقف وتفرقها ساعات العمل
الخيانة، والخلافات المتعلقة بالظروف المادية والاجتماعية، وعدم التوافق الفكري، ليست دائما سببا للتباعد العاطفي بين الأزواج، ولعيش الأسرة متفككة تحت سقف واحد، فاختلاف الروتين بين الزوجين في بعض الأسر الجزائرية، بحيث يستيقظ أحد الزوجين عندما ينام الآخر، ويأكل عندما يكون شريكه مشغولا، ويخرج في الوقت الذي يعود فيه الآخر إلى البيت، أو يملك شبكة اجتماعية واسعة في الوقت الذي يعيش فيه شريكه عزلة يومية، قد لا يسبب شجارا مباشرا، وإنما ما هو أخطر: اعتياد الغياب.
عندما يتكرر الغياب، يتعلم كل طرف كيف يدير يومه دون الآخر، وكيف يتخذ قراراته وحده، وكيف يجد تسليته خارج العلاقة، ومع مرور الوقت، قد يتحول الزوجان من شريكين في الحياة إلى شخصين يتقاسمان المنزل والأطفال والمصاريف، لكنهما لا يتقاسمان بالقدر نفسه تفاصيل الحياة.
عندما يعمل الزوج في قطاع النقل، الحراسة، المطاعم… وتعمل الزوجة في الأمن، أو الصحة… أو غيرها من القطاعات التي تتطلب المناوبة الليلية، يعود أحدهما إلى المنزل في وقت يكون البقية نائمين، وفي الأيام التي تتكرر فيها المناوبة، قد تمر فترة طويلة دون أن يجلس الزوجان جلسة هادئة لا تتعلق بالأطفال أو المصاريف أو الضروريات. في السياق، تؤكد الأستاذة دبوب عقيلة، أخصائية نفسية خبيرة علاقات: “لا يعني ذلك أن أحدهما لا يحب الآخر، بل إن الحياة المشتركة تحتاج إلى وقت مشترك، فقد أجريت دراسة سنة 2024 على عينة من 100 عامل في مختلف المراكز الاستشفائية بولاية البليدة، حول تأثير العمل الليلي في تنظيم الحياة خارج العمل، خلصت إلى أن الأثر يتجاوز الوظيفة إلى النشاطات الأسرية والاجتماعية للعامل خارج أوقات العمل، فالعمل الليلي لا يأخذ ساعات من اليوم فقط… بل يعيد ترتيب الأسرة”.
“كل واحد منا يملك حياته بعيدا عن الآخر”
يدخل الزوج مساء محملا بتفاصيل يومه، بينما لا تجد الزوجة أحيانا ما تقوله سوى تفاصيل المنزل، ليس لأن يومها فارغ، بل لأن العمل المنزلي ورعاية الأطفال لا يمنحانها دائما الاحتكاك الاجتماعي نفسه الذي يمنحه العمل خارج المنزل. وهنا، قد يصبح الزوج، من دون أن يقصد، المصدر الرئيسي أو الوحيد للحديث والرفقة والدعم النفسي. وهذا، يضع العلاقة تحت ضغط كبير، فالزوج ليس مطالبا فقط بأن يكون شريك حياة، بل يصبح أيضا صديقا وحيدا ونافذة اجتماعية ومتنفسا نفسيا. تقول وداد، أم لطفلين: “أنا لا أعرف في يومي غير طريق المدرسة، أسعار الخضر، مواعيد الطبيب، مشاكل الأطفال، تفاصيل البيت، وهو يعيش وسط قصص وتحديثات زملائه، مديره، أصدقائه، حركة الطريق، الاجتماعات، يعمل حتى ساعة متأخرة جدا، ويستيقظ ليغادر باكرا قبل الجميع، كل واحد منا يملك حياة خارج الآخر، لكن الفرق أن حياة زوجي تتسع باستمرار، بينما تضيق حياتي دون أن أكون قادرة على الاحتجاج، لأني أنا من اخترت ترك ضغط العمل وتربية الأبناء”. تضيف وداد: “علاقتنا منتهية حرفيا، كل ما يربطها حديث مقتضب حول المصاريف والمشكلات اليومية”.
عندما يصبح الزوجان مديرين لمنزل واحد
عندما تختفي الأحاديث الشخصية وتحل محلها الأوامر والطلبات، يظل التواصل موجودا، لكنه وظيفي، لا حديث عن الأحلام ولا عن المستقبل، ولا حول العلاقة نفسها… فهذا ما يهدد العلاقة بحسب خبراء نفسيين واجتماعيين، يرون أن بعض حالات التباعد يمكن فهمها من زاوية أخرى: الوقت، والضغط، والروتين، وتوزيع الأدوار، والشبكة الاجتماعية. فالعمل ليس بالضرورة عدوا للحياة الزوجية، وإنما طريقة انتقال أثر العمل إلى البيت هي الأهم، المشكلة ليست في أن يكون لكل طرف عالمه الخاص، حتى اختلاف ساعات العمل ليس بالضرورة مشكلة، وإنما أن يصبح العالم الخاص بأحد الزوجين أكبر بكثير من العالم المشترك بينهما، عندما يعرف الزوج أصدقاءه أكثر مما يعرف يوم زوجته، وعندما تعرف الزوجة تفاصيل الأطفال أكثر مما تعرف زوجها، عندما يصبح لكل طرف هاتفه، وأصدقاؤه، ومواعيده، ونشاطاته، وخططه، ثم لا يبقى من الزواج سوى المساحة التي تدار فيها المسؤوليات، كل هذا بات يجعل الحفاظ على الزواج في حاجة إلى أن يصنع الزوجان وقتا مشتركا عمدا، بدلا من انتظار أن تمنحهما الحياة هذا الوقت تلقائيا.