أعنف حريق يضرب غابات خنشلة في شهر أوت
لم تكن خنشلة، مساء السبت، أمام حريق جديد فحسب، بل كانت أمام اختبار آخر لروحها التضامنية وقدرتها على مواجهة الخطر، فمنذ اندلاع النيران ظهرا بغابة حمام الصالحين، بمحاذاة مفترق الطرق المؤدي إلى حديقة التسلية ومستشفى أحمد بن بلة والطريق الاجتنابي، تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة حقيقية مع ألسنة اللهب، بعد ما ساهمت الرياح القوية والحرارة القياسية، في سرعة انتشارها وتصعيد خطورتها.
الحماية المدنية، مصالح الغابات، وحدات الجيش الوطني الشعبي، الدرك الوطني، مصالح الأمن، جميعها في حالة استنفار، وفي المقابل مواطنون من مختلف الأعمار، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، نزلوا إلى الميدان للمساهمة في إخماد الحريق ومساندة فرق التدخل، نساء حملن “بيادين” المياه والخل، وشباب تنقلوا حاملين وسائل الإطفاء والعتاد البسيط، وآخرون ظلوا بالقرب من أعوان الحماية المدنية والغابات، يمدّون يد العون ويشاركون في تطويق ألسنة النيران، في صورة تختصر معنى التضامن الشعبي الحقيقي عندما تتحول الكارثة إلى مسؤولية جماعية، ولم تمنع كثافة الدخان وصعوبة التنفس وحرارة المكان المواطنين من البقاء في الميدان، بل كان الإصرار أكبر من الخوف، وكانت الرغبة في حماية الغابة والمناطق السكنية والمنشآت المحاذية لها أقوى من كل الصعوبات، خاصة أن هذه الغابة الساحرة، كانت في الربيع الماضي، مفخرة بزهورها وخضرتها.
ومع اتساع رقعة التدخل، تعززت خنشلة بوسائل بشرية ومادية إضافية، من خلال وصول الرتل المتنقل للحماية المدنية لولاية أم البواقي، وكذا الرتل المتنقل لولاية باتنة، المجاورتين، إلى جانب حشود من قوات الجيش الوطني الشعبي ورجال الدرك الوطني، لتتواصل عملية محاصرة النيران والسيطرة عليها، وفي سماء خنشلة، كان التدخل الجوي حاضرا بقوة، من خلال أربع مروحيات تابعة للقوات الجوية للجيش الوطني الشعبي، إلى جانب مروحيات تابعة للحماية المدنية وأخرى لقوات الدرك الوطني، في مشهد يعكس حجم التعبئة والاستنفار لمواجهة هذا الحريق.
لكن وسط كل هذه الوسائل والتجهيزات، برز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو المواطن الخنشلي الذي رفض أن يكون مجرد متفرج، ففي الوقت الذي كانت فيه ألسنة اللهب تشتعل والرياح تدفع بها في اتجاهات مختلفة، كان المواطنون في الصفوف الأولى، جنباً إلى جنب مع رجال الغابات والحماية المدنية وأفراد الجيش والدرك الوطني ومصالح الأمن، في صورة جسدت أبهى معاني التلاحم بين الشعب ومؤسسات الدولة.
الجيش الأبيض في الخطوط الأمامية للمعركة
وفي خضم الملحمة التضامنية التي عاشتها خنشلة، في مواجهة حرائق غابة حمام الصالحين، كانت هناك معركة أخرى تجري بعيدا عن ألسنة اللهب، خلف أبواب المصالح الاستشفائية، يقودها رجال ونساء يطلق عليهم بحق الجيش الأبيض، فمع ارتفاع حجم التدخل الميداني، أعلنت مصالح الاستعجالات الطبية حالة طوارئ، ووضعت مختلف إمكاناتها البشرية والمادية في حالة تأهب قصوى، تحسباً لأي طارئ قد ينجم عن الحريق، خاصة مع كثافة الدخان والحرارة وصعوبة التنفس التي رافقت عمليات الإخماد.
ومنذ الساعات الأولى، تجندت الأطقم الطبية وشبه الطبية، وفتحت أبواب الاستعجالات أمام عشرات الحالات التي تم استقبالها، من بينها إصابات متفاوتة الخطورة، وجروح وحروق، إلى جانب حالات عانت من ضيق التنفس والتأثر بالدخان، خصوصاً في صفوف المتدخلين والمواطنين الذين كانوا قريبين من موقع الحريق.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحماية المدنية والغابات والجيش والدرك والمواطنين يخوضون معركة في الميدان، كان الأطباء والممرضون وشبه الطبيين وأعوان مختلف المصالح الاستشفائية يخوضون معركة أخرى، عنوانها الاستقبال، الإسعاف، التكفل والمراقبة الطبية، فإمكانات بشرية ومادية سخرت، وفرق وضعت في حالة استعداد، وأطقم واصلت عملها تحت ضغط كبير، من دون ضجيج أو أضواء، لتقديم الإسعافات والتكفل بالمصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية، وهكذا، لم تكن مواجهة حريق حمام الصالحين معركة رجال الإطفاء والغابات فقط، بل كانت منظومة متكاملة شارك فيها الجميع: من يواجه النار في الجبل، ومن يسعف المصاب في المستشفى، ومن يسند المتدخلين، ومن يمد يد العون في الميدان.
وفي انتظار أن تكشف التحقيقات أسباب اندلاع هذه الحرائق، تبقى صورة تلك الامسية، شاهدة على ملحمة تضامنية عنوانها الأبرز، الجميع في خندق واحد عندما يتعلق الأمر بحماية خنشلة.
كواليس حريق خنشلة
متطوعون ينقذون أزيد من 40 خلية نحل من ألسنة النيران
في تدخل بطولي، وفي اللحظات الأخيرة، تمكّن فرسان الهلال الأحمر الجزائري، بخنشلة رفقة عدد من الشباب المتطوعين من إنقاذ أزيد من 40 خلية نحل لفلاح بمنطقة مشتة بن ناجي، التابعة لبلدية الحامة بخنشلة، بعد اقتراب ألسنة النيران من المنحل.
وسارع المتطوعون إلى محاصرة الخطر وإبعاد 37 عجلة مطاطية كانت محيطة بالمنحل، قبل أن تصل إليها النيران، وهو ما جنّب المنطقة كارثة بيئية كان من الممكن أن تتسبب فيها سرعة اشتعال العجلات وانتشار النيران.
وتحوّل المتطوعون في تلك اللحظات إلى خط دفاع لحماية المنحل، حيث نجحوا في إخراج العجلات وإبعادها عن المكان، وإنقاذ خلايا النحل التي تمثل مصدر رزق للفلاح.
وتبرز هذه العملية أهمية سرعة التدخل واليقظة، خاصة بالنسبة للفلاحين الذين يملكون المناحل أو الحظائر بالقرب من المناطق الغابية، مع ضرورة إبعاد كل المواد القابلة للاشتعال عن ممتلكاتهم، تفاديًا لتحول الحرائق إلى كوارث أكبر، عملية إنقاذ لم تكن للنحل فقط، بل كانت إنقاذًا لرزق عائلة بأكملها، بفضل شجاعة المتطوعين وتدخلهم في الوقت المناسب.
متطوع يغامر بحياته لإنقاذ طفل من ألسنة اللهب
في واحدة من أكثر صور الشجاعة، والتضحية التي رافقت حرائق خنشلة السبت، برز اسم الشاب يزيد لعباسي كأحد الأبطال الذين اختاروا مواجهة الخطر وإنقاذ الأرواح، من دون تردد أو حساب للعواقب، ففي خضم اندلاع الحرائق، وجد يزيد نفسه أمام موقف بالغ الخطورة، بعد ما دخل إلى منطقة تلتهمها النيران، في محاولة لإنقاذ طفل صغير كان مهدداً بالموت وسط ألسنة اللهب والدخان الكثيف، وبشجاعة استثنائية، تمكن البطل من الوصول إلى الطفل وإخراجه من دائرة الخطر، قبل أن يخرج هو نفسه متأثراً بما تعرض له داخل النيران، في مشهد يجسد أسمى معاني التضحية ونكران الذات، حيث نقل يزيد إلى مستشفى “أحمد بن بلة” ببلدية خنشلة، ويخضع للرعاية الطبية، وسط دعوات واسعة من المواطنين له بالشفاء العاجل، وتحوّلت قصة هذا الشاب إلى رسالة إنسانية قوية، مفادها أن البطولة ليست دائماً في ساحات القتال، بل قد تولد في لحظة خوف، عندما يقرر شخص أن يضع حياته في خطر من أجل إنقاذ حياة إنسان آخر.
وبينما تتواصل جهود مختلف المتدخلين في مواجهة حرائق خنشلة، من رجال الحماية المدنية والغابات وأفراد الجيش والمتطوعين والمواطنين، يبقى يزيد لعباسي واحداً من أولئك الذين كتبوا موقفهم بأفعالهم، مؤكدين أن إنقاذ حياة واحدة قد يستحق أن يخاطر الإنسان بحياته من أجلها.
من صرخة الهاتف إلى غرفة عمليات في قلب الحريق
في حرائق السبت بخنشلة، لم يكتفِ شباب المنطقة بتصوير المأساة، بل تحولت هواتفهم إلى أدوات للتنسيق والإنقاذ، فمن قلب النيران، خرجت نداءات تحذر المواطنين من الاقتراب، وتطالب بغلق الطرق، وتناشد بتوفير صهاريج المياه والماء البارد، مع تحديد بؤر الحريق وتوجيه المتطوعين نحوها.
الأكثر تأثيراً كانت تلك النداءات التي امتزجت بالدموع، بعد ما عجز بعض الشباب عن حبس تأثرهم أمام هول المشهد، ومن بينهم طه شخاب، خالد كوشار، بوبكر ونبيل شخاب، والناشطة الجمعوية بوتبينة نورة، إلى جانب عناصر الهلال الأحمر بقيادة خرخوني التزويري، ومصباح لشخب، ورؤساء تنظيمات وطنية، علي بهلول، وبوسعدة عثمان، والشافعي مليح، وحتى المرضى والمتطوعين الذين قدموا الكثير، على غرار كمال بن زعيم وصابر يعقوب وأسماء كثيرة، انخرطوا في هذا الحراك التضامني.
هكذا تحولت صرخة عبر هاتف نقال إلى نداء استغاثة، ثم إلى عمل ميداني جماعي، عنوانه التضامن والتلاحم الشعبي في مواجهة حرائق خنشلة.
قاعة أفراح ومنتزه يفتحان أبوابهما لدعم فرق الإطفاء
في صورة جديدة تعكس روح التضامن والتلاحم بخنشلة، فتحت قاعة الأفراح صياد، بطريق حمام الصالحين، ابوابها للمساهمة في دعم عمليات إخماد الحرائق، من خلال توفير المياه وتسخير الإمكانات لفائدة الوحدات والفرق المتدخلة ميدانياً.
وتأتي هذه المبادرة في ظل الظروف الصعبة التي تشهدها المنطقة جراء الحرائق، التي استدعت تجنيد أعوان الحماية المدنية والغابات وأفراد الجيش الوطني الشعبي إلى جانب المواطنين وأصحاب الصهاريج.
وفي السياق ذاته، بادر منتزه “آيت الحاج” إلى وضع إمكاناته تحت تصرف المتدخلين، دعماً لعمليات التزويد بالمياه والمساهمة في تسهيل مهمة فرق الإطفاء.
مبادرات تؤكد أن مواجهة الحرائق لم تعد مسؤولية قطاع واحد، بل أصبحت ملحمة تضامنية يشارك فيها الجميع، كلٌّ بما يملك، من أجل حماية الأرواح والممتلكات والثروة الغابية.
أصحاب الصهاريج أبطال في الظل يساندون جهود إخماد حرائق
برز السبت، أصحاب الصهاريج كأحد أهم حلقات الدعم الميداني لعمليات إخماد حرائق حمام الصالحين، فمنذ اندلاع الحرائق، لم يتردد أصحاب الصهاريج في وضع إمكاناتهم تحت تصرف فرق التدخل، حيث يقطعون مسافات بعيدة من أجل جلب المياه، ثم يعودون بها إلى المناطق المتضررة للمساهمة في إخماد ألسنة اللهب والحد من انتشارها.
ورغم مشقة التنقل وطول المسافات، يواصل هؤلاء عملهم من دون توقف، في صورة تؤكد أن مواجهة الحرائق لم تكن مسؤولية فرق الحماية المدنية والغابات والجيش وحدها، بل شارك فيها المواطنون بمختلف فئاتهم، كلٌّ حسب قدرته وإمكاناته.