-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أم درمان.. حين يختلط ذهب الذاكرة برماد الحرب

لعلى بشطولة
  • 344
  • 0
أم درمان.. حين يختلط ذهب الذاكرة برماد الحرب

هناك مدن تولد في الجغرافيا، وأخرى تولد في الوجدان.

مدن صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، لا تُقاس بشوارعها بل بما تتركه في القلب من أثرٍ يصعب محوه.

وأم درمان—المدينة السودانية العريقة الممتدة على ضفاف النيل—واحدة من تلك المدن التي لا تُقرأ إلا بالقلب، ولا تُستعاد إلا بذاكرةٍ مشتعلة بالحنين والألم معاً.

منذ ستة عشر عاماً، كانت أم درمان مسرحاً لفرح عربي نادر.

ليلة 18 نوفمبر 2009 لم تكن مجرد مباراة فاصلة بين الجزائر ومصر، بل كانت لحظة استثنائية شعر فيها الجزائريون أنهم ليسوا وحدهم، وأن للفرح وجهاً آخر اسمه السودان.

كان المشهد أكبر من كرة القدم.

كان لقاءً بين شعبين، بين كرمٍ سوداني صافٍ وروحٍ جزائرية كانت تبحث عن بصيص الضوء بعد سنوات طويلة من الخيبات الرياضية.

فما إن حلّت الجماهير الجزائرية بالخرطوم حتى وجدت صدراً مفتوحاً وأيادي تمتد قبل الكلام.

كان السودانيون يستقبلون الزائر بعبارة واحدة، بسيطة وعميقة: «أنتم ضيوف في بيوتكم.»

لم تكن مجاملة، ولم تكن شعاراً.

كانت أخلاق مدينة كاملة تقول للوافد: نحن نحمل جمالنا هكذا… بلا استعراض، بلا شروط.

في الأسواق، في الشوارع، أمام الفنادق، عند أبواب المنازل، ارتسمت على الوجوه ابتسامة لا تُنسى.
سائق تكسي يرفض الأجرة وهو يضحك.

امرأة مسنّة تمسح دمعة وتقول: «ربّي يوفّقكم يا أولادي.»

شباب يرافقون الجماهير حمايةً ومحبّةً لا بحثاً عن مقابل.

وكل ذلك قبل أن تبدأ المباراة.

وفي الملعب…

كان المشهد يشبه موجاً يرتفع ببطء ثم ينفجر دفعةً واحدة.

هتافات، أغانٍ، دموع، خفّة في الأرواح، وحسّ بأن شيئاً عظيماً سيحدث.

وعندما دوّى هدف عنتر يحيى، لم يهتزّ المدرج فحسب، بل اختلطت فرحة الجزائريين بفرحة السودانيين كأنما الهدف كُتب بمدادٍ من عربٍ على قلبٍ واحد.

رجل سوداني خمسيني كان يبكي وهو يعانق جمهور الجزائر ويقول: «مبروك علينا وعليكم… الفرح فرح العرب كلهم.»

وفي الخارج، تحوّلت أم درمان إلى احتفالٍ شعبي عفوي: سيارات تزمّر، شباب يرقصون، أطفال يركضون، ومدينة كاملة تقول للجزائر: «بلغتم المونديال… ونحن بلغنا الفرح بكم.»

هكذا بقيت أم درمان في الذاكرة: مدينة كرمٍ، مدينة شهامة، مدينة احتضنت فرحتنا كما لو أنها جزء من أهلها.

لكن… ماذا بقي من تلك الصورة اليوم؟

أم درمان اليوم… مدينة تبحث عن نفسها

بعد ستة عشر عاماً، تبدو الصورة معكوسة.

المدينة التي احتضنت الفرح أصبحت جريحة، محاصرة بالنار والدخان.

الحرب التي عصفت بالسودان جعلت من أم درمان ساحةً للوجع المفتوح؛ أحياء كانت تنبض بالحياة صارت ركاماً، طرق كانت مزدحمة صارت فارغة، مستشفيات بلا دواء، ومدارس تحوّلت إلى ملاجئ.

صور الشوارع التي عرفها كثيرون قبل سنوات—مضاءة، صاخبة، مليئة بالمحلات والضحكات—تظهر اليوم مكسوّة بالسواد.

أم تبكي وهي تقول: «كنا نعيش في جنة صغيرة… واليوم لا نعرف إن كنا سنعيش للغد.»
طبيب يقف قرب غرفة عمليات معتمة ويكتب: «نحاول… لكن الحرب أقوى من الطب.»

أب يقول بصوت مكسور: «أطفالي ناموا كثيراً على صوت الضحك… واليوم ينامون على صوت الانفجار.»

كيف يمكن لمدينةٍ كانت خزاناً للكرامة أن تصبح خزاناً للألم؟

كيف يمكن لمدينة احتضنت الفرح العربي قبل سنوات أن تبحث اليوم عن فتات الأمان؟

السودان… وطنٌ لا يتخلّى عن الوقوف

ورغم كل شيء، ورغم ظلام الحرب، يظلّ السوداني كما عهدناه: واقفاً.

يقتسم اللقمة، يساند جاره، يضحك وسط العاصفة، ويبقي شيئاً من النور قائماً مهما أسودّت الأيام.

أحد الشباب كتب: «الحرب ستنتهي، المدن ستُبنى… نحن لا نستسلم.»

هذه العبارة وحدها تكفي لفهم سرّ هذا الشعب: إنه شعب لا يسمح للهزيمة أن تتسلل إلى روحه، مهما تكسّرت جدران البيوت.

بين ذهب الأمس ورماد اليوم… تبقى أم درمان مدينة لا تشبه إلا نفسها

ليس من السهل أن يرى الجزائري ما أصاب مدينةً أحبّته بلا شروط.
فالجرح هنا ليس جرح متابعة أخبار، بل جرح ذاكرة.

لكن المدن التي احتضنت الفرح ذات يوم، تستطيع—مهما طال الليل—أن تعود وتحتضنه من جديد.
وهذه هي رسالة أم درمان لنا اليوم: قد يحترق السقف، قد ينهار الجدار، قد يشتدّ الظلام…

لكن الذهب لا يحترق، ولا يصدأ، ولا يفقد قيمته مهما غطّاه الرماد.

أم درمان ليست مدينة منكوبة فقط.

هي مدينة من ذهب مغطّى مؤقتاً بغبار الحرب.

ختاماً… كلمة وفاء

إن كان للذاكرة العربية مدينة تستحق التحية اليوم، فهي أم درمان.
مدينةٌ علّمتنا أنّ الفرح يمكن أن يكون عربياً، وأن الأخوّة ليست خطاباً نظرياً، وأن الكرم ليس فعلاً بل طبيعة.

واليوم، وهي تقف في قلب محنتها، لا نملك إلا أن نقول لها:

نحن نتذكّرك…

نحن ندعو لك…

ونحن نؤمن بأنك ستعودين، لأن المدن التي أحبّت الناس يوماً…

يحبّها الناس إلى الأبد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!