أم سقطت مغشيا عليها بعد سماع الخبر وأخرى اكتشفت سرطان ابنها بالصدفة
“حينما قالت لي الطبيبة أن ابنك مصاب بالسرطان، سقطت مغشيا علي، فقامت الممرضات برفعي من الأرض ووضعنني على أحد أسرة المستشفى، ولم يدخل الطعام بطني لمدة ثلاثة أيام”، كان هذا تصريح لأم مكلومة اكتشفت إصابة ابنها الذي يبلغ من العمر عامين ونصف بسرطان الدم، ومثلها كثيرات قابلناهن بقسم سرطان الأطفال بمستشفى الأم والطفل سابقا بسطيف، حيث بدا المشهد هناك وكأننا في مأتم وجنازته مؤجلة لبعض الوقت.
ولعل ما يخفف بعض الشيء على هؤلاء الأمهات والأطفال الذين يخضعون كلهم هناك للعلاج الكيميائي، هي تلك “الأيادي المتضامنة” التي التقت في جمعية تحمل هذا الاسم وتقع في الطابق الأرضي للمستشفى، مجهزة بأرقى الأثاث وذات مرافق متعددة توفر للأطفال الذين أضناهم المرض الترفيه والراحة وأكثر من ذلك تعطيهم إحساسا بأنهم موجودون في بيوتهم.
طبيب الأطفال أطلق الفكرة
وجمعية “الأيادي المتضامنة” كانت نتاج فكرة لطبيب شاب متخصص حاليا في طب الأطفال يدعى سامي بوقصة، الذي اشتغل قبل تأسيس الجمعية رفقة مجموعة من الشباب في المجال الخيري، ومن ضمنه زيارة الأطفال المرضى في المستشفيات وإهدائهم ألعابا متنوعة، ولكنه قرر بعد ذلك أن ينشئ جمعية موجهة لفائدة الأطفال المصابين بالسرطان، فتلقى الدعم من كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية التي مدت يدها بالخير لتجهيز مقر الجمعية، خاصة بعد أن تم الإعلان عنها على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم توالى انضمام الأعضاء الذين كانوا يحملون هدفا واحدا وهو إسعاد أطفال السرطان وإخراجهم من حالة الإحباط التي يعيشونها.
جولة في سيارة الإسعاف
ولأنه كان قريبا جدا من الأطفال ويشعر بوجعهم، قام الدكتور بوقصة بتحقيق رغبة طفل صغير أنهكه السرطان إنهاكا شديدا، حيث طلب أن يقوم بجولة في مدينة سطيف على متن سيارة الإسعاف، فطلب سامي من السائق أن يساعده على تحقيق حلم هذا الطفل فاعتذر لكون هذا الأمر سيسبب له المشاكل، فقرر الطبيب أن يتحمل المسؤولية أمام إدارة المستشفى، حينها نقل الطفل إلى سيارة الإسعاف وهو حالة سيئة وطاف به السائق رفقة الطبيب أنحاء المدينة وهو بالكاد يفتح عينيه من شدة المرض.
تكفل معنوي
داخل مقر الجمعية، وجدنا مجموعة من الأطفال المصابين بالسرطان، بعضهم جاء من خارج المستشفى لإجراء بعض الفحوصات، بينما نزل بقية المرضى من الطابق العلوي أين يرقد عشرات الأطفال الذين يعانون من سرطانات مختلفة على رأسها سرطان الدم، والملاحظ حسب دلال لعزازقة، أستاذة في الأدب العربي في الثانوية، وهي عضوة بارزة في الجمعية، أن هؤلاء الصغار يكونون في حالة نفسية وجسدية سيئة بسبب تواجدهم في المستشفى وتحت العلاج الكيميائي ولكن لمجرد نزولهم إلى صالات الألعاب يشعرون بتحسن كبير وتظهر ملامح السعادة على وجوههم، لذلك تسعى الجمعية إلى فتح فضاء أكبر للعب والترفيه، لا سيما وأن هذا المقر لا يستفيد منه أطفال السرطان وحسب، بل كل الصغار المقيمين في المستشفى.
“بكيت حين تساقط شعره”
من أصعب المواقف التي قد تواجهها المرأة في حياتها أن يبلغها الطبيب أن ابنها الصغير الذي صنع بهجتها وسعادتها مصاب بالسرطان، حينها لا تكفيها كل الدموع لتغسل حزنها، ثم تتقبل الأمر شيئا فشيئا، وتتأقلم مع الوضع الجديد، هذا ما صرحت لنا به السيدة “نعيمة ب” التي جاءت من مدينة برج بوعريريج، والتي وجدناها بمقر الجمعية، حيث قالت إن إحساسا قاتلا وبشعا انتابها عندما اكتشفت إصابة ابنها الذي يبلغ من العمر الآن 11 سنة بسرطان الدم، كانت حينها حاملا ولم تتمكن من تقبل الأمر بسهولة إلا بعد أن رأت من هو أكثر منه سوء، وفي البداية كانت تعامله بحساسية شديدة حتى بدأ يشعر بخطورة مرضه، ولكن بعد أن اطلعت على طريقة التعامل مع المرض من الانترنت وبدأ علاجه بعد ثلاث سنوات يحرز تقدما مع تحسن كبير في حالته صارت تعامله بطريقة عادية.
وتتذكر نعيمة ذلك اليوم الذي تساقط فيه شعر ابنها أيوب بعد 3 أشهر من خضوعه للعلاج الكيميائي، حيث تقول: “بكيت حينها كثيرا بينما كان هو سعيد جدا لأنه لا يعرف حقيقة ما جرى له”.
انتكاسة جديدة
وبينما كانت آية، الطفلة المصابة بسرطان في اليد تلعب مع الأطفال داخل الجمعية، كانت أمها التي جاءت من بريكة تجلس في الرواق وهي تبكي بكاء مكتوما وخافتا على ابنتها التي باغتها السرطان من جديد بعد أنهت حصص الكيميائي واختفت أعراض المرض بعد سنتين من العلاج، ولكن بعد أن خضعت للفحوصات الطبية أكد لها الأطباء أن الخبيث عاودها من جديد، فلم تجد أفضل من الدعاء لتهون به على نفسها.
القسم الكئيب
بقسم السرطان الذي يقع في الطابق العلوي للمستشفى، كان الجو كئيبا لدرجة لا تطاق، أمهات حزينات اقتسمن الأسرة مع أطفالهن وبعضهن جالسات على حوافها ينظرن بألم إلى أطفالهن الذين استبد بهم المرض وأنهك أجسادهم الصغيرة.
في إحدى الغرف، وجدنا سيدة من سطيف اكتشفت مرض ابنها بالصدفة، حيث تقول إنها كانت تتسوق من أحد الأحياء التجارية برفقة ابنتها وبرفقته، حينما لاحظت أنه يتصبب عرقا وشاحب الوجه، فقررت أن تعرضه على طبيب يتواجد غير بعيد عن المكان الذي كانت فيه، فإذا به ينبهها إلى خطورة مرض ابنها خاصة عندما لاحظ وجود كدمات على الساقين وهي التي كانت تظن أنها ظهرت عليه بسبب قيادته للدراجة، وبعد فترة قصيرة أكدت التحاليل أنه مصاب بسرطان الدم، فشعرت بحزن كبير وسرعان ما تمالكت نفسها من أجل أن لا يكتشف حقيقة مرضه، منذ ذلك الحين، أي منذ أكثر من شهرين، وهما في المستشفى حيث يخضع للعلاج الكيميائي، أين كانت حالته سيئة جدا رغم أنه تم اكتشاف المرض في بدايته وهو ما جعل الأطباء في فرنسا لا يؤيدون زرع النخاع في هذه المرحلة.
سيدة أخرى وجدناها هناك، جاءت من بوسعادة مع طفلها المصاب بسرطان الدم، حيث عبرت هي الأخرى عن مشاعر الحزن التي انتابتها لدى اكتشافها حقيقة المرض الذي أصاب صغيرها، ولكنها الآن بدأت تتأقلم مع الوضع وتتعلم طريقة التعايش معه، حيث قالت إنها منعته من النزول إلى قاعة الألعاب في جمعية “الأيادي المتضامنة” حتى لا تضعف مناعته وهو المقبل في اليوم التالي على العلاج الكيميائي.
وللطفل أحمد قصة حزينة
حينما زرنا الجمعية، وجدنا الجميع يتحدث عن أحمد، فمن هو هذا الطفل الذي بكاه القريب والبعيد؟.
قالت الأستاذة دلال أن أحمد طفل من ولاية الجلفة كان مصابا بسرطان الدم ووافته المنية قبل نحو أسبوع، حيث سادت حالة من الحزن عليه خاصة وأنه يتيم الأم وبعيد عن أهله، وتضيف دلال أنه اشتهى أكل “الشوارما” ولكنه لم يصرح بذلك لأحد إلا بعد أن ألحت عليه فطلبها، ثم ألحت عليه مرة أخرى ليكشف لها عما يرغب فيه، فطلب أكل “الشوارما”، ثم عرضت عليه أن تشتري له بدلة وحذاء رياضيين فوافق، ولكنه مات قبل أن يلبسهما.
أحمد الذي يبلغ من العمر 11 سنة رسم لوحة بيعت في مزاد للأطفال المصابين بالسرطان لأستاذة جامعية بمليوني سنتيم، ولكنه رحل قبل أن يعيش فرحة هذه المناسبة، بل رحل قبل أن يبوح بسر كان يريد أن يخبر به أخاه، حيث طلب منه أن يرافقه إلى رواق القسم ليخبره به ولكن ذلك لم يكن مسموحا له لأنه كان موصولا بأنبوب المحلول، فرفض أن يبوح لأخيه بالسر لتواجد أهالي المرضى في نفس الغرفة، ولكنه عبر عن السعادة التي غمرته في ذلك اليوم الذي مات فيه، ورفض أن تخضب يده بالحناء في المولد، لأنه كما قال، سيذهب إلى بيته وهناك سيجدها في انتظاره.
دراسة لتقييم أداء الجمعية
تسعى “الأيادي المتضامنة” إلى إجراء دراسة بعد مرور عام على تأسيسها حول مدى مساهمة الجمعية بمرافقها الترفيهية في التخفيف من الضغط النفسي على الأطفال المرضى وتحسين حالتهم الجسدية، وهو ما بدأ الأعضاء يلاحظونه عليهم، وحتى الأمهات شعرن براحة كبيرة للتكفل المعنوي بأطفالهن وإيجاد متنفس لهن، حيث وفرت لهن الجمعية حماما بمواصفات حديثة وراقية للاستحمام، خاصة وأن أكثرهن قادمات من مناطق بعيدة ولا يغادرن المستشفى إلا بعد شهور طويلة ليزرن بيوتهن زيارة خفيفة ثم يعدن إليه أملا في الشفاء وانقشاع الأزمة.



