أولوية المصالح على المبادئ
الفجور في الخصومة، واحدةٌ من أربع علامات على النفاق، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم، ليس في حياتنا اليومية فحسب، في رمضان وفي غير رمضان، بل على المستوى السياسي الدولي اليوم.
الكل يعلم أن “السياسة هي فن الممكن”، وأنه في التعاملات السياسية الغربية خاصة، والتي علمتهم إياها الإيديولوجية الرأسمالية “ليس هناك صداقة دائمة أو عداوة دائمة، بل هناك مصالح دائمة” وأن مفردة “المبادئ” لا تعني شيئا في قاموس الميكيافيلية والبراغماتية الرأسمالية.
عندما زار وزيرُ الخارجية الأمريكي، هنري كسينجر، الجزائر في منتصف السبعينيات، كما يشير إلى ذلك في مذكِّراته، وتحادث مع الرئيس هواري بومدين وقتها بشأن ملف الصحراء الغربية، وكان وقتها الملف لا يزال ساخنا بعد أن طُرحت على الجزائر فكرة تقاسم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا ومنح الجزائر ممرًّا نحو الأطلسي، رفض بومدين الفكرة المبنية على مصلحة انتفاعية اقتصادية كبيرة فعلا، وردَّ بأنه مع “المبدأّ”، مبدأ تقرير المصير وليس مع المصلحة الشخصية. يقول كيسنجر أنه لم يفهم معنى “المبادئ” التي تحدَّث عنها الرئيس الجزائري: “فليس هناك مبادئ في السياسة بل هناك مصالح”.
نعيد للذكرى هذه المقولة لعرّاب الدبلوماسية الأمريكية المخضرم، لنتفحّص مليا الطريقة التي تعامل معها الغربُ عموما وأمريكا وبريطانيا خصوصا تجاه روسيا بعد “العملية الخاصة في أوكرانيا”، كما سمّاها الروس، أو” الغزو والاجتياح والحرب على أوكرانيا” كما سمِّيت في قواميس الإعلام والدبلوماسية الغربية.
الولايات المتحدة تعهَّدت لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأنها لن توسِّع حلف الناتو شرقا، فصدَّقت روسيا الكلام وحلّت حلف وارسو. غير أن الناتو الذي بدأ بـ12 دولة وصل اليوم إلى 30 دولة، مع ذلك لم تعتذر أمريكا لروسيا على هذا “الحنث” السياسي، بل على العكس تماما، بقيت تجابه روسيا وتواصل تمدُّد قوّاتها إلى حدودها الغربية عبر أوكرانيا ودول البلطيق. كان بالإمكان حلّ مشكل أوكرانيا قبل 8 سنوات، عبر الحوار وتفهّم مخاوف روسيا، لكنها فضلت مواصلة التمدد والتضييق على القوة النووية المنافِسة على اعتبار أنها كانت ترى وتقول إن “نهاية الحرب الباردة انتهت بانتصار الولايات المتحدة”، وهذا ما حزَّ في نفس حاملي الهوية الروسية وتاريخها، ليس من زمن الثورة الشيوعية، بل حتى من زمن القيصرية.
لم تعتذر أمريكا، بل اعتبرت أن روسيا “البوتينية” هي التي تقوم على الخطيئة، كونها لم تسلك سبيل غورباتشوف، ولاسيما بوريس يلتسن عراب الغرب الذي قصف مجلس الدوما بالدبابات. لهذا عمدت مع بقية الدول في الحلف إلى تطويق روسيا من كل الأبواب وأوصلتها إلى حد استعمال العنف المسلح، كخطوة استباقية بما يعنيه في لغتنا الشعبية “أتغذى بك قبل أن تتعشى بي”. لم يكن الغرب وأمريكا يعلمون علم اليقين ما قد يقوم به بوتن، ولا بوتن يعلم ما قد يصل إليه، لكن من أوصله إلى ذلك حتما كان العنجهية الأمريكية التي تريد أن تبقى القطب المهيمن على الكرة الأرضية عبر “العولمة”.
جابهت الولايات المتحدة ومعها أتباعها من الغرب الأوروبي روسيا، بحرب اقتصادية كونية لا مثيل لها: نحو 40 دولة فرضت عقوباتٍ صارمة عليها. عمل لا يمكن إلا أن يسمّى عدوانا اقتصاديا كونيا، من أجل تحطيم روسيا وتحطيم عملتها واقتصادها واستهداف إسقاط نظامها، كما كانت تهدف دوما العقوبات الاقتصادية المحدودة على كل ما عاقبتهم أمريكا.. ولم تفلح إلا نادرا في إسقاط أنظمة بفعل العقوبات الاقتصادية وحدها. عقوبات اقتصادية على دولة تنتج وتصدّر أكثر مما تستهلك مثل روسيا، جعل العقوبات تمس العالم كله وليس فقط روسيا أو أوروبا، بما في ذلك الولايات المتحدة. هذه المرة، العقوبات، على صرامتها والتي لم يسبق لها مثيل، صاحبها فجورٌ في الكلام وغلوٌّ في العقاب ووصول إلى أدنى مستوى من الأخلاق الدبلوماسية التي لا يمكن أن تذهب بالعلاقات الدولية إلا إلى مزيدٍ من التصعيد وتهديد الأمن العالمي برمَّته. لأول مرة تطال العقوبات رئيس دولة عظمى عضوا دائما في مجلس الأمن وأكبر قوة نووية، أكثر من ذلك، تتأرجح كرة الثلج ويصرِّح الرئيس بايدن أن بوتن “مجرم حرب”، ثم “جزار”، ثم يعلن أن بوتن يجب أن ينتهي. قبلها، دعا السناتور الجمهوري الكبير لندسي غراهام في حوار مباشر على قناة تلفزيونية إلى التصفية الجسدية للرئيس بوتن… وهذه سابقة لم تشهدها العلاقات الدولية على الأقل ضمن مجموعة الخمسة الكبار في مجلس الأمن.
النفاق السياسي متجذرٌ تاريخيا وجغرافيا، لكن لا أحد كان يعتقد أن يصل الفجورُ ونكران الحقيقة والسكوت عن الحق والحكم على أشياء بدون حكم وتحقيق كما هو الشأن اليوم بحق الجرائم البشعة في حق المدنيين في أوكرانيا، وهي المحرّكات الغربية سابقا، تصبح اليوم كلها حلالا علينا، حراما عليكم، وتصبح كل المقومات التي بُنيت عليها الديمقراطية والعلمانية والعقلانية في مهبِّ الريح؛ فعندما تُمسُّ المصالح، تتحول النصائح إلى فضائح.