إستقلت من منصبي بسبب مباراة منتخبي الجزائر ومصر
هل يمكن لأحدهم أن يفرّط في منصبه وهو في بداية مشواره المهني؟ أليس عديد الإعلاميين – عادة – ما يستقيلون بسبب “حرب اللوبيات” وصراع المصالح والتطاحن على المراكز والمواقع؟ هل الأقدمية الإعلامية دائمة مرادفة للكفاءة والثبات على الرأي وغيرها من الشعارات الجميلة؟
كان لـ “الشروق” تواصل مع الإعلامي الرياضي ومقدّم البرامج والمعلّق اللبناني الشاب والمتقد حيوية محمد كركي الذي يشتغل ببلده ضمن طاقم القناة التلفزية “أ. آن. بي”، وتطرّقنا معه للنقاط الوارد ذكرها وأمور أخرى لها صلة بالمجال.
لفت انتباه الجمهور الجزائري–الكروي تحديدا– خلال محطتين بارزتين، “مشروع معلّق”، والمباراة الشهيرة بين منتخبي الجزائر ومصر، هل من توضيح؟
الحق يقال إني كنت على تواصل مع الأشقاء الجزائريين لا سيما بعد الانتشار التقني الأخير، ولكن المنعرج الكبير حدث خلال برنامج استقطاب مواهب الإعلام الرياضي المسمى “مشروع معلّق” الذي أشرفت عليه ونظمته قناة “الجزيرة الرياضية” نهاية العقد الماضي، وأيضا خلال التصفيات المركبة لكأسي العالم وإفريقيا، حيث تكثف تواصلي بالجزائريين، وصراحة وجدت الجمهور واعيا ومثقفا وعلى دراية كبيرة بعالم الكرة.
.
أقدمت على الاستقالة بطريقة مفاجئة، في زمن يكاد يستحيل أن يستقيل أحدهم لـ “وجه الله”، فأنت لست مسنودا بـ “قوة نافذة” تهيّأ لك منصبا بديلا؟
يمكنك أن تقول جرأة أو شيئا من هذا القبيل، ولكن هذه هي شخصيتي.. حدث أن اشتغلت بقناة “اللبنانية”.. كنا زمن المباراة الشهيرة بين منتخبي الجزائر ومصر برسم التصفيات المزدوجة لكأسي إفريقيا والعالم 2010، الاحتقان لدى “المعسكرين” وفي أنحاء شتى من الوطن العربي وصل لدرجة رهيبة، سواء في الفضائيات أو الصحف أو المواقع أو المنتديات الإلكترونية أو لدى الشارع.. ساعتها تقدّم منّي مدير الفضائية وطلب مني أن أجهز نفسي لتصوير برنامج يتماشى والبضاعة الرائجة في تلك الأيام، وقال لي بصريح اللفظ اللبناني “أنا بدّي إياك تولّعها الليلة”!؟ ما يعني صب الزيت في النار والنفخ في كير الفتنة، من خلال “تحريض” جمهور المنتخبين على “التناقر الديكي” لمصلحة دنيئة. كان يستحيل علّي أن أزج بنفسي في هذا المستنقع، ولم أفكّر طويلا، حتى وجدت نفسي أعيد المئزر لأصحابه وأمضي على بيان استقالتي غير آسف على القرار، رغم أنه لم يكن لي بديلا جاهزا وأقصد المنصب.
.
وماذا حدث بعدها؟
اتصل بي عديد المشاهدين في الجزائر ومصر يثنون على موقفي ويشدون من أزري، وهو دعم معنوي نادر لا يقدّر بثمن ويغنيك عن السند المزيّف والملتوي والمصلحي.
تفرّغت بعدها لأموري الخاصة، وابتعدت قليلا عن أجواء مهنة المتاعب لأيام.. حتى تلقيت اتصالا من المؤسسة التي أشتغل بها، فاتحني فيها أهلها أمر العودة من جديد وقدّموا لي الاعتذار.. وبناء على نصائح من إعلاميين كبار وزملاء مهنة، عدت للمقر بشرط تصوير برنامج لنبذ العنف وتبديد التعصب وإعادة إدراج المباراة في إطارها الكروي، وهو ما كان ولله الحمد.
.
تمتلك الآن رصيدا محترما من التجربة في الحقل الإعلامي، هل وجدته كما كنت تتصوّره سلفا؟
الإعلام مهنة المتاعب للذين اكتووا بنيران هذا التخصص، الذين يرون فيه أكثر من وظيفة.. بينما لا يعدو أن يكون “بريستيج” للبعض الآخر وعددهم ليس بالقليل.
في رأيي المتواضع لست ضد أن يؤتى بأحدهم لم يدرس الإعلام ويسند له المنصب الفلاني، فمثلا نجم التمثيل العربي الشهير دريد اللحام تخصّص في العلوم الفيزيائية ومع ذلك برع في أدوار لا تمت بصلة لدراسته الأكاديمية! المهم هو الإخلاص والتفاني لا غير.
.
ولكن في الوطن العربي الاستثناء استحال قاعدة والمؤقت تمدّد إلى مؤبد، ومثال “غوّار” (دريد اللحام) حالة نادرة جدا؟
أنا أميل للرأي الذي يركز على الموهبة وفسح المجال للمبادرة وتكافئ الفرص وصقل المبتدئين، ثم يأتي التخصص الإعلامي في المقام الثاني، ولكن هذا لا يمنع من التذكير باستفحال “آفة” غزو الدخلاء للحقل الإعلامي بالواسطة والمحسوبية والفكر التجاري الصرف، وهنا المسؤولية يتحمّلها بالدرجة الأولى أهل المؤسسات الإعلامية لأنهم تقاعسوا أو أهملوا الأمر، وأعني مسألة انتقاء الأجدر والأنسب دون غيرهما، وثانيا نملك الآن جمهورا عربيا متعلّما وذوّاقا ويعرف بدقة كيف يميّز بين الجيّد والرديئ، النسخة الأصلية ونظيرتها المقلّدة!
.
سبق لك التعامل مع وجوه إعلامية جزائرية، كيف تصفها لنا، بلغة خالية عن “المساحيق”؟
نعم.. أشرف على برنامج رياضي في قناة “أ. آن. بي”، وعادة ما يكون ضيوف الحلقات إعلاميين جزائريين، سأقول لك مثلا إن “الكابتن” رابح ماجر طاقة رهيبة في التحليل، خاصة أن له خلفية كروية معترف بها عالميا، وأيضا حفيظ الدراجي الذي يشدّني أسلوبه في التعليق، أما الحبيب بن علي فهو من “جيل العمالقة” واستفدت كثيرا من هذه “المدرسة” خلال “مشروع معلّق” رفقة السوريين أيمن جادة وجمال الشريف.
.
وكيف كانت أمورك في شهر رمضان المعظم؟
في الشهر الفضيل، كنت أقضي وقتي نهارا بين العمل والتفرغ للأهل، وأيضا مجالسة الأصدقاء للترفيه حين وقت الفراغ. كما لا تفوتني الفرصة لانتهاز المناسبة والإكثار من قراءة القرآن الكريم، وهناك أمر آخر وهو أني أستغل الهوامش المتاحة من الزمن لتعلّم اللغة الإسبانية.
وبشأن برامج التلفزيون فأنا عادة لا أميل لمتابعة الدراما والمسلسلات والأفلام، بخلاف البرامج الرياضية والمقابلات التي أواظب على مشاهدتها، خاصة وأنها جزء من النشاط المهني.
.
كلمة نسدل بها الستار؟
هناك كلمة لا بد من قولها، وهي أن الثورة الجزائرية ما تزال تلهم اللبنانيين، ذلك أنها كانت رسالة حق ودروس قيّمة في التضحية والفداء للوطن. أما كرويا فأتمنى أن يجدّد “الخضر” العهد مع المونديال البرازيلي 2014، خاصة بعد عودتهم للساحة القارية والدولية في الآونة الأخيرة. ولا يفوتني – أيضا – التوجه بالشكر لجريدة “الشروق” على إتاحتها لي هذه الفرصة، خاصة أني من مطالعيها عبر موقعها الإلكتروني، لا سيما قبيل تحضير البرامج الرياضية والتعليق.