إشارة حاملة للمستقبل من الحَرَّاش
مازال عُمق المجتمع الجزائري بخير، برغم حملات التَّيْئيس الكثيرة، وبرغم غلق باب الأمل من قبل البعض والتَّبَاهي أحيانا بأن كل شيء قد انهار. الحدث الذي سأختصره في هذه المساحة التي تسعى أن تكون إيجابية قدر المستطاع يُبيِّن أننا مازلنا نَمتلِك بُنية ثقافية ومنظومة قيم متماسكة وتقاليد قادرة على مقاربة مختلف المشكلات التي نعيش بفعالية واقتدار وبأقل التكاليف، ليس فقط في الجوانب الاجتماعية، بل في مختلف الجوانب التي من شأنها المساهمة في تطوير وتحسين أداء المؤسسات وفعالية واقتدار الدولة برمتها.
مَنْ مِنَّا لم يسمع، إنْ لم ير، ما تعرفه الكثير من أحيائنا السكنية من صراع بين مجموعات شبانية بدوافع عدة يضيق المجال لحصرها.. تلك الصراعات التي تؤدي أحيانا إلى العنف وتُخلِّف ضحايا فضلا عمّا تَتَسبَّب فيه من ترويع الآمنين ومَساسٍ بالمُمتلكات؟ مَنْ مِنَّا لم يعتبر أنَّ مثل هذه المظاهر تُعَدُّ مؤشِّرا خطيرا على ضعف التماسك الاجتماعي وعلى عجز الأساليب التقليدية في الردع إن لم يعتبرها بداية انزلاق نحو فوضى عارمة لا قدّر الله؟
أغلبنا يكون قد عاش مثل هذا الشعور، إِنْ لم يَلحقه ضررٌ مباشر أو غير مباشر مِن مثل هذه السلوكات الغريبة عن مجتمعنا، إلا أن قليلا مِنّا مَن اعتبر أو آمن بأن مسؤولية مواجهتها لا تقع فقط على الجهات الأمنية أو القضائية المعنية بذلك وحدها، إنما على المجتمع أيضا الذي ينبغي أن يُبادر بلعب دوره في تحقيق الأمن المجتمعي الشامل كما تفرضه التقاليد الراسخة وتعاليمُ ديننا الإسلامي الحنيف وقيمنا الوطنية الثابتة. وهو ما قامت به بكفاءة واقتدار مجموعة من أهل الخير وإصلاح ذات البين وشباب مدينة الحراش العريق.
لقد بلغت الصراعات أوجها بين أبناء هذه المدينة في المدة الأخيرة وكادت تتطور إلى ما لا يُحمَد عقباه في أحياء (الأخضرية، الفداء، مباركية بوجملين، المحطة، ديسولي…). وفي الوقت المناسب، وبمبادرة ذاتية من قِبل بعض أهل الخير (أئمة، رؤساء جمعيات، أساتذة) من بينهم أمين أقصى، عبد الرحمن كيجوار، عبد القهار غلاب، كمال حسون، أمين كركوش، عبد الحكيم بوغابة وغيرهم من الأفاضل، تمكن الجميع من إصلاح ذات البين بين الأحياء المتنازعة في جو أخوي ملؤه التسامح والمَحبّة بساحة مدرسة الفرقان بما تحمل من رمزية ودور أصيل في المجتمع.
ألا تُعَدُّ هذه إشارة حاملة لمستقبل واعد في بلادنا، أنَّنا لا يُمكن أبدا الاستغناء عن العمق الشعبي وعلى ثقافة المجتمع وقيمه الدينية والوطنية لتسوية الخلافات بين أفراده، وأننا ينبغي ألا ننساق خلف تلك الصورة النمطية القائلة إن عمق المجتمع قد انهار وما علينا إلا انتظار استقالة الجميع من تحمل أي مسؤولية، أو ننساق خلف ذلك الرأي القائل بأن كل المسؤولية تقع على عاتق الجهات الأمنية أو القضائية وأنها وحدها التي ينبغي أن تُواجه ما يَعرف المجتمع من اختلالات؟
أليس من واجبنا أن نشكر أصحاب هذه المبادرة، وأن نُنوِّه بالسلوك الحضاري لشباب مدينة الحراش بأحيائها المختلفة، ونُثمِّن تقديرهم لموقف الخيّرين من آبائهم وإخوانهم؟ أليس من واجبنا أن ننقل مثل هذه المبادرات إلى أكثر من مستوى محلي أو وطني، مهما كانت طبيعة النزاع القائم، (أرض، ميراث، مصالح… الخ)، ونؤكد أننا في الجوهر مازلنا بخير؟