اتركوا الماضي بسلام..رجاءً
لا الدين ولا السياسة ولا المنطق السليم يسمح لنا بالإسراع في تخوين بعضنا البعض، هذا في حياتنا اليومية وبيننا كأفراد نعيش في مجتمع جنبا إلى جنب، فكيف بنا نسارع في كل مرة إلى التطاول على رموزنا التاريخية والوطنية والدينية، بما في ذلك الأحياء منهم، لإطلاق أحكام نهائية على قضايا يعرف الجميع أنها مازالت محل نقاش وبحث وجدل بين الباحثين كما يحدث في كل بلاد العالم؟
لماذا تتطاول كل الاتجاهات على بعضها البعض على غير هدي، وبدل الحديث عن المستقبل، بدل تقديم حلول للمشكلات التي نعيشها، بدل تركيز توجهات الرأي العام على مواجهة التحديات القادمة والتهديدات الجديدة التي تحيط بنا من كل جانب، بدل كل هذا تختار طريق العودة إلى الماضي وأحيانا حتى إلى الماضي السحيق للنبش في قبور الأموات، أو التفرغ لقراءة تفاصيل الاختلافات، واستبدال الجزئيات بالكليات، وإحلال القضايا الفرعية الهامشية محل القضايا الرئيسية والكلية؟
ما الذي يجعل بعض الجزائريين لا يتوقفون عن كيل الاتهامات لبعضهم البعض في جانب التاريخ الوطني وكأن الوطنية حكرا على البعض دون الآخر، يمدحون ذاتهم كيفما شاؤوا ولا يُكلفون أنفسهم عناء الإشارة لبعض أخطائهم أو نقائصهم، أو لفضل الآخرين عليهم، كل يكاد يرسم لنا صورة عن نفسه أنه الأنقى والأشجع والأفضل وغيره دون ذلك؟
ما لذي يجعل بعض الجزائريين ممن لم تكتمل لديهم الصورة بعد، عن أحداث مازالت جراحها لم تندمل، تتعلق بالعشرية السوداء، بدل أن يتجهوا نحو المستقبل، ويتفرغوا للنظر إلى الغد بعين فيها الأمل والتسامح وحمد الله على تجاوز الفتنة التي عرفوا، يسارعوا مرة أخرى إلى خطاب التخوين والقدح وتنصيب أنفسهم أوصياء على الشعب الجزائري، وعلى خيارته في قضايا لها علاقة بالبعد الإسلامي في حياتنا الوطنية؟
أليس الافتقار إلى الرؤية المستقبلية، إلى مشروع البناء الحضاري، إلى عدم إدراك موقع كل من الإسلام والوطنية في كل هذا، هو الذي يدفع بمثل هذه المواقف؟
يبدو أن الأمر هو كذلك.
لو تمكن الشعب الجزائري بمختلف اتجاهاته السياسية والوطنية، من الاتفاق حول مشروع مستقبلي، حول رمز لرجل دولة مستقبلي، حول أهداف لها علاقة بالبناء لا بالتحطيم، لتدحرجت مثل هذه المواقف المتشنّجة إلى مستوى الأحداث المتفرقة ولَما سمع بها أحد.
أما ونحن نتردد لحد الآن في صوغ رؤية توافقية ينبثق عنها بحق دستور توافقي يحدد إطار الحركة السياسية لمجتمعنا للخمسين أو مائة سنة المقبلة، فتأكدوا بأن مستوى النقاش سينزل أكثر، ولن تتسع مساحة الأمل التي لأجلها نعيش…