اتفاقٌ.. قبل فوات الأوان
رفض مبادرة الإجماع التي طرحتها جبهة القوى الاشتراكية غير مبرر في تقديري لسبب رئيس واحد، أننا في حاجة إليها قبل فوات الأوان.
لننطلق من مسلمة أن السلطة على خطأ بنسبة مائة بالمائة وأنها هي التي ترفض الحوار، وأنها هي التي تُعطل التوافق والإجماع لاعتبارات عدة، هل يحق لنا أن ننتظر أكثر لكي تعود إلى رشدها؟ ومن يضمن أن الانهيار لن يحدث قبل أن تتحقق هذه العودة إلى الرشد أو تُضطر إليها اضطراراً؟ ولنفترض أن السلطة أصيبت بجنون العظمة وبزهايمر البقاء في الحكم.. هل ننتظر منها أن تتذكر أن البلاد مستهدفة وأن المتربصين بها قد أحاطوا بها من كل جانب ونحن نعلم أنها لن تتذكر حتى يصبح الأمر مستعجلا… وإذا تذكَّرَتْ يكون قد فات الأوان؟
أليس علينا أن نطرح السؤال التالي: هل المصلحة الوطنية تقتضي الانتظار؟ ومن سيكون أكبر الخاسرين من الانتظار؟ أليس الشعب بجميع فئاته المعطلة أحلامه، المتمسك بخيط رفيع من الأمل أنها ستتحقق ذات يوم؟ هل سيخسر مَن هم في الحكم اليوم شيئا من الانتظار؟ بل هل ستخسر المعارضة شيئا من الانتظار؟ وماذا يُفيدنا إن وصلنا إلى الانهيار وقلنا إن سببه هو السلطة أو فلان أو علان؟ أليس الأولى هو منع الانهيار بدل شتمه ولعن المتسببين فيه؟
يبدو لي من الناحية الموضوعية أن مبادرة جبهة القوى الاشتراكية جاءت لتعلن أننا في حاجة إلى الانتباه لمسألة الزمن في معادلة الصراع القائم بين السلطة والمعارضة، حيث أنهما معاً لم يُعطيا للوقت قيمته الحقيقية، ولم يطرحا السؤال الرئيس: إلى متى؟ ومن الخاسر من بقاء مثل هذه اللعبة مفتوحة في الزمن؟ أليس الوطن؟ أليست الفئات الواسعة من الشعب؟ أليس بناء الديمقراطية الحقّة؟
اعتقد أنه من الوطنية اليوم أن نضع حدا لهذا الفراغ الهائل الذي يخيفنا جميعا، أن ندرك أن الزمن لا يرحم. ما هو مُتاح اليوم لن يُتاح غدا بكل تأكيد، باعتبار أننا لا نسير على أرض صلبة ومسار واضح، وعلينا أن لا نتعامل مع المجنون أنه عاقل أو مع المريض بأنه في صحة جيدة أو مع البليد أنه ذكي… ينبغي ألا نشكك في نوايا أي كان إذا كنا بالفعل نثق في نزاهتنا وكفاءتنا وحبنا للوطن. ولا أظن بأن جبهة القوى الوطنية بخبرتها وحنكتها السياسية تقبل بأن تلعب دور العُرّاب للسلطة أو الخادم المطيع لها.. أليس الأحرى بنا أن نعتبر مبادرتها إنما جاءت بحق خوفاً على الوطن؟