اخشوشنوا فإن الترف يزول
جاء في الأثر عبارة “اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم” في الحقيقة لا علم لي من يكون قائل هذه الحكمة العظيمة التي وردت بألفاظ مختلفة منها ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، غير أنني أعلم جيدا من تكون قائلة العبارة “تعلموا الإعتماد على النفس.. فإنّ ترف البيت الأبيض لا يدوم”.
بخفة روح واحترافية لا تظلّ طريقها سافرت الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري بحضورها ومشاهدي برنامجها الشهير “أوبرا وينفري” إلى صدر البيت الأبيض في حلقة استضافت فيها سيّدته ميشال أوباما، ومن ضمن ما تحدّثت عنه حرم الرئيس الأمريكي أنذاك، طريقة تعاملها مع اِبنتيها ماليا وساشا، حيث قالت أنها تحرص كلّ الحرص على تعليمهما القيام بالأعمال المنزلية، والاعتماد على النفس لأن نعيم البيت الأبيض لن يدوم.
لو حكمنا بمنطق حسن الظن، والتقدير للفكرة، وبصرف النظر عن شكل حياة ابنتي أوباما- تكون سيّدة البيت الأبيض أعقل وأذكى من الكثير من سيّدات بيوت الصفيح لدينا في هذه الجزئية بالذات. طبعا ليس احتقارا للبيوت البسيطة وساكنيها، لأننا مدينون طوعا أو كرها لكل بساطة، ولكل قسوة، ولكل فاقة صقلت لنا خامات إنسانية رائعة ونافعة، ومن ذا الذي لا يدين لكلّ صفيح وقبو وكوخ لمع تحت سقفه عالم أو طبيب أو نجيب!؟ ومن ذا الذي يستطيع غمط فضل حرائر متفانيات في تطبيب بيوتهن البسيطة، وتغطية عيوبها تنظيفا وترتيبا، وحسن تسيير وتدبير، مع رعايتهن لأصالة يحفظن بها ماء وجه الأحياء التي تمثّل مرآة الشعب البسيط!؟
لكن بيوت الصفيح وشقيقاتها في التواضع، باتت اليوم تشكو كبيوت الفخامة والثراء “عقوق جيل يكفر بالتّواضع”، بعدما ثكلت أمهات وآباء يلقّنون أبناءهم حكمة “تواضعوا واخشوشنوا فإنّ الترف يزول، وأنّ دلال الوالدين لا يتنقل معكم كالهاتف المحمول“ وبات من الصعب علينا أن نفرّق بين أبناء الفقير والغني، وبين فتاة تسكن الفيلا، وأخرى تسكن بيت الصفيح، فالجميع يرفل في ترف ورخاء مُفدّى بصحة ومال وكرامة الوالدين.. وزبدة كل هذا المخيض جيلا يعجز عن تحمل أدنى المسؤوليات، ولا يحسن الصمود أمام أبسط الأزمات.
ولأنّ الأمثال زمام كل مقصود، فلا أنسب للكلام أعلاه من خاتمة أمتثلها من حادثة واقعية، عن امرأة جاورتني في غرفة المستشفى، ومكثت لأيام في وضع صحي حرج، دون مرافقة شخصية من أفراد عائلتها، وكانت كلّما تأخّرت الممرضات في خدمتها، تتحسّب في أختها المتزوجة التي رفضت مرافقتها. لكنّ المفاجأة كانت عندما جاء وزوجها وابنتيها لزيارتها وتبين أنها أمّ لشابتين مكتنزتين، تقول بملء الفم أنها تشفق عليهما من رائحة المستشفى وأجواءه المرعبة!