-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ملامح الإستراتيجية العسكرية الإيرانية:

استمرارية التاريخ وابتكار أدوات الاستنزاف

بقلم: محمد خوجةّ
  • 104
  • 0
استمرارية التاريخ وابتكار أدوات الاستنزاف

يكشف الأداء العسكري الإيراني منذ بداية الحرب في 28 فيفري الماضي، عن بعض الملامح للإستراتيجية العسكرية الإيرانية المعتمدة في صد العدوان الأمريكي الصهيوني. تُظهر هذه المواجهة الانتقال النوعي إلى عقيدة عسكرية مركبة، صُقلت عبر فترات تاريخية متعاقبة، وتعتبر دراسة الإستراتيجية العسكرية الإيرانية الراهنة بأبعادها الثلاثة: الأهداف والوسائل والمسار، مدخلا مهما، لفهم كيف ساهم توظيف التاريخ العسكري القديم والحديث، في بناء نموذج خاص لحرب الصمود والاستنزاف، في مواجهة قوة جوية تكنولوجية متفوقة.

إلى أي مدى استطاعت الإستراتيجية العسكرية لإيران مواجهة التفاوت في ميزان القوى العسكري والتكنولوجي، بتوظيف إرثها العسكري القديم والحديث، كعامل حاسم في تحديد أهداف هذه الإستراتيجية ووسائلها، ومسار تنفيذها في الصراع الراهن؟

أولاً: الأهداف: من منع الحسم إلى تحويل الحرب

تتعامل إيران مع الضربة الجوية الصاروخية الشاملة،على أنها محاولة “حسم من الضربة الأولى”، تستهدف الرأس (القيادة)، والعين (الاستخبارات والدفاع الجوي)، والذراع (قوات الصواريخ والمسيَّرات).

في المقابل، تتلخص الأهداف الإيرانية في ثلاث دوائر متداخلة:

1- هدف وجودي: منع انهيار النظام 

الحفاظ على بقاء نواة القيادة السياسية العسكرية، وضمان استمرار القدرة على إصدار الأوامر والرد، حتى لو تضرَّرت مراكز القيادة العليا أو قُتل بعض كبار القادة. يقوم هذا الهدف على مبدأ “بقاء الدولة  لا بقاء المباني”.

2- هدف إستراتيجي: إحباط “الحسم الجوي” وتحويله إلى استنزاف:

جعل التفوق الجوي التقني الأمريكي الإسرائيلي يفشل في تحقيق تأثير سياسي سريع، عبر الحفاظ على قدر من الدفاع الجوي، واستدامة القدرة على إطلاق الصواريخ والمسيَّرات فترات طويلة، حتى تتحول الحملة الجوية من أداة حسم إلى عبء مستمر ومكلف.

3- هدف ردعي هجومي: نقل كلفة الحرب إلى عمق الخصم 

تعمُد إيران إلى توجيه جزء معتبر من قدراتها النارية نحو العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية والبنى الاقتصادية الإقليمية، حتى يدفع الخصم ثمنا داخليا واقتصاديا وسياسيا لاستمرار الحرب، ويزيد من حجم الضغوط الداخلية والدولية للتراجع أو التهدئة.

بهذه الأهداف الثلاثة لا يتضح أن الإستراتيجية العسكرية الإيرانية تسعى إلى“النصر الكلاسيكي” على قوة جوية متفوقة، بل إلى منع هزيمتها العسكرية السريعة، وإطالة أمد الصراع حتى يتحول الزمن والاستنزاف إلى جزء من سلاحها.

ثانياً: الوسائل.. بنية نارية ودفاعية مصمَّمة للاستمرار

تضمّنت وسائل الإستراتيجية العسكرية الإيرانية منظومة متكاملة، بُنيت على دروس حرب أوكرانيا وغزة وحرب 12 يوما للسنة الماضية.

  1. وسائل النيران:

– ترسانة صواريخ باليستية ومتوسطة المدى، بعضها عالي الدقة، تُخصَّص للأهداف ذات القيمة العالية (قواعد جوية، مرافئ، مراكز قيادة، بنية تحتية حيوية…).

– أعداد كبيرة من المسيَّرات الانتحارية والرخيصة نسبيا، تُستخدم لاستنزاف الدفاعات الجوية المعادية، وصواريخ الاعتراض الباهظة، وفتح ثغرات في منظومات مثل القبة الحديدية ووسائط الدفاع الصاروخي الأمريكية.

– اطلاقات كثيفة ومتزامنة من عدة مسارح (داخل إيران، ومن خلال الحلفاء في الإقليم)، لتشتيت الجهد الدفاعي للخصم وحرمانه من تركيز نيرانه على جبهة واحدة.

  1. وسائل البقاء والمرونة:

شبكة واسعة من المنشآت تحت الأرض (أنفاق، قواعد صواريخ ومسيّرات، مخازن ذخيرة) تقلّل من قابلية الاستهداف من الجو، على غرار نموذج “مدينة الأنفاق” في غزة على نطاق أوسع وأعمق.

– منصات إطلاق متحركة على شاحنات وعربات، مع إمكانية نقلها بين مواقع متعددة، بما يعقّد عملية الرصد المسبق، ويحدُّ من فاعلية الضربات “المسبقة” على مواقع ثابتة.

– بنية قيادة وسيطرة أكثر لامركزية بعد تجربة حرب12 يوما للسنة الماضية، مع تفويض أوسع لمستويات القيادة الوسطى، لاتخاذ قرار الإطلاق على أساس خطط وقواعد اشتباك معدّة سلفا، تحسُّبا لانقطاع الاتصال بالمركز في اللحظات الحرجة.

  1. وسائل الدفاع والتقييد:

– بناء شبكة دفاع جوي طبقية (بعيدة، ومتوسطة، وقصيرة المدى)، على الرغم من كونها أقل تطورا من نظيراتها الغربية، لكنها كافية لتقليص كفاءة “حملة شلّ الدفاع الجوي”، وجعلها عملية طويلة ومتدرِّجة لا ضربة واحدة قاضية.

– قُدرات حرب إلكترونية وتشويش، تستهدف تعقيد توجيه بعض الذخائر الذكية والطائرات المسيّرة المعادية، وتقليل دقة الضربات.

هذه الوسائل صُمّمت لأجل تحقيق هدف رئيسي: أن تبقى لإيران “أنيابٌ نارية” وقدرة دفاعية معتبرة، حتى بعد الموجات الأولى من القصف، بحيث لا يمكن إعلانُ شلّها عسكريا أو سياسيا في المرحلة الأولى للحرب.

ثالثاً: المسار: من امتصاص الضربة إلى فرض معادلة الاستنزاف

البعدُ الثالث هو مسار استخدام هذه الوسائل لتحقيق الأهداف، أي الطريقة التي رتّبت بها إيران مراحل المواجهة العسكرية:

  1. مرحلة امتصاص الصدمة الأولى:

في الساعات والأيام الأولى للحرب اعتمدت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على ضربات كثيفة، تستهدف القيادة العليا ومواقع

الدفاع الجوي، ومنصات الصواريخ الرئيسة.

في هذه المرحلة، انصبَّ التركيز الإيراني على:

– حماية “نواة القيادة” وإبقاء قنوات اتصال بديلة (مراكز قيادة احتياطية، وسائل اتصال مؤمَّنة).

– تجنُّب كشف كل الأوراق الدفاعية والهجومية دفعة واحدة، والاحتفاظ بجزء من الدفاع الجوي، ومنصات الإطلاق كمفاجآت لاحقة.

– استيعاب الخسائر الحاصلة، مع المحافظة على “سلسلة قيادة في الظل”، قادرة على الاستمرار في القيادة.

  1. مرحلة الرد المكثف والمنضبط:

بعد امتصاص الضربة الأولى وتقدير حجم الأضرار، انتقلت إيران إلى رد ناري كثيف، لكن وفق منطق “الموجات المرنة”:

– موجات صواريخ ومسيَّرات كبيرة العدد، متزامنة، ومتعددة الاتجاهات، تهدف إلى إغراق الدفاعات المعادية، وضرب أهداف عسكرية واقتصادية حساسة.

– توزيع الضربات زمنيا وجغرافيا، لنشر حالة “إنذار دائم” في العمق الإسرائيلي وفي القواعد الأمريكية، بما يُجهد القوات، ويُربك الاقتصاد، ويُقلق الرأي العامّ.

تجنّبت إيران في الوقت نفسه تجاوز عتبات تصعيدية، قد تدفع نحو حرب إبادة للبنية التحتية الإيرانية، عبر ضبط نوع الأهداف ومستوى التدمير.

  1. مرحلة تثبيت معادلة الاستنزاف:

بعد فشل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في تحقيق حسم سريع، انتقلت إيران إلى المواجهة تدريجيا، نحو نمط “حرب استنزاف” يكون فيها الزمن في مصلحة إيران:

– استمرار إطلاق دفعات أقل من الموجات الأولى، ولكن بصورة منتظمة ومؤلمة، يحافظ على مستوى تهديد دائم، من دون استنزاف كامل للترسانة.

– توظيف أوراق الحلفاء لتوسيع مساحة التهديد، بحيث يصبح إنهاء الحرب مشروطاً بتسويات إقليمية أوسع.

– استثمار الضغط الدولي والإنساني المتصاعد على الولايات المتحدة وإسرائيل، نتيجة طول أمد الحرب وآثارها الاقتصادية والإنسانية، لتحويل الإنجاز العسكري للخصم إلى عبء سياسي عليه.

بهذا المعنى، تُفهم الإستراتيجية الإيرانية كمسار تدريجي: امتصاص صدمة، رد مكثف، استنزاف منضبط، تُستخدم فيه الصواريخ والمسيّرات، وشبكات الأنفاق، والدفاع الجوي، والحلفاء الإقليميون كأدوات ضمن مشروع سياسي استراتيجي أوسع: منع الحسم، وفرض تسوية.

2- توظيف التاريخ العسكري في الإستراتيجية العسكرية الإيرانية

– من الواضح أيضا أن الإستراتيجية العسكرية الإيرانية الحالية اعتمدت على ميراث طويل من التاريخ العسكري الإيراني القديم والحديث، أعاد تشكيل نفسه في أسلوب “حرب صمود واستنزاف”، ضدَّ قوة معادية متفوِّقة تكنولوجيا.

أوّلا: أثر التاريخ العسكري القديم – جغرافيا الإمبراطورية و”حرب النفس الطويل

الإرث الإمبراطوري (الأخمينيون، الساسانيون) رسّخ في الوعي الإستراتيجي الإيراني فكرة أن المعركة الأساسية هي معركة الزمن والمساحة: استخدام العمق الجغرافي، والتحمُّل البشري، وتعدُّد الجبهات لامتصاص الصدمات، ثم إنهاك الخصم بدلا من البحث عن معركة فاصلة واحدة.

هذا الإرث يعاد إنتاجُه اليوم في صورة عقيدة “الدفاع المتدرِّج” و“الحرب الطويلة”، ولذلك لا يبدو أن الجهد العسكري لإيران يستعجل نصرا تكتيكيا سريعا، بل يهدف إلى استثمار الجغرافيا (العمق، التضاريس، الانتشار)، لتحويل التفوق الجوي الصاروخي المعادي إلى عملية مكلِّفة وطويلة.

يعكس تموضعُ المنشآت العسكرية الحساسة في العمق، في مناطق جبلية أو تحت الأرض، توظيفا معاصرا لمبدأ تاريخي قديم، هو استخدام الطبيعة كجزء من الدفاع الإستراتيجي، لا الاعتماد على التقنية وحدها.

ثانياً: الحرب العراقية الإيرانية 1980 1988 كـمختبر مؤسس للعقيدة الحالية

إن معظم قادة إيران اليوم هم من جيل الحرب العراقية الإيرانية، المتمرسين في مفاهيم “الدفاع المقدَّس”، والاعتماد على الجماهير والمتطوعين، والاستعداد لتحمُّل خسائر بشرية كبيرة في سبيل الحفاظ على بقاء الدولة، وقد رسَّخت هذه الحرب في ذاكرتهم ثلاث حقائق ما زالت صامدة إلى اليوم:

1- لا يمكن لجيش محدود التكنولوجيا أن يهزم خصما متفوقا، إلا بحرب استنزاف طويلة.

2- ضرورة الاكتفاء الذاتي في التسليح قدر الإمكان، وتطوير صناعة دفاعية محلية.

– الاستعداد لقبول “تدمير واسع جزئيًّا”، مقابل منع “هزيمة كاملة”.

من هنا برزت الترسانة الصاروخية مسيّرية كبيرة، وتعبئة مجتمعية أيديولوجية لتحمُّل الكلفة، وعقيدة “الصمود تحت النار”.

ثالثاً: الثورة الإسلامية، الحرس الثوري، وعقيدة الحرب اللامتماثلة

بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979، تم تأسيس الحرس الثوري كـذراع ثوري طويل”، يتبنى حرب العصابات، والعمل عبر الحلفاء، والتوظيف الأيديولوجي للقتال.

أنتج هذا الإرث ثلاث ركائز حاليا:

1- لاعتماد الهيكلي على الحرس الثوري، كقائد فعلي لحرب الصواريخ والمسيّرات، بما يعكس تغليب منطق الحرب اللامتماثلة على الحرب النظامية الكلاسيكية.

2- استخدام شبكة حلفاء (حزب الله، فصائل عراقية، ويمنية…)، أي “الدفاع المتقدم” بحيث تُدار الحرب ليس فقط من داخل إيران بل من محيطها، وهو امتداد لعقيدة “الدفاع إلى الأمام” التي تطورت منذ الثمانينيات.

3- التعبئة الوطنية بتوظيف البُعد العقائدي: لتبرير تحمُّل الخسائر واستمرار القتال بوصفه “جهادا” و“دفاعا مقدسا”، مما يغذي استعداد المجتمع لقبول حرب طويلة ذات كلفة عالية.

ساهم هذا الميراث بشكل واضح في قدرة إيران على توسيع ساحة الاشتباك إقليميا، مع ضربات متزامنة أو مهددة من عدة مسارح، وفي خطاب يربط بوضوح بين “الدفاع عن الوطن” و“رفض الإملاءات الغربية”.

رابعا: عقيدة “الدفاع الفُسيفسائي

– راقبت إيران عن قرب الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 وحرب إسرائيل مع حزب الله سنة 2006، واستخلصت منهما درسين مهمين:

1- كيف يُسقط الغزوُ الأمريكي نظاما ضعيف الدفاع الذاتي والعمق العقائدي.

-2 كيف يستطيع تنظيمٌ مسلح أصغر (حزب الله) منع إسرائيل من تحقيق نصر حاسم عبر الصواريخ، والأنفاق، واللامركزية، والبقاء تحت القصف.

ومن مظاهر هذا الاستيعاب في الحرب الحالية:

– توزيع منصات الإطلاق، ومراكز القيادة البديلة، والقواعد تحت الأرض، بحيث يصعب شلّ كل القدرات بضربة واحدة.

-دمج الضرب من بعيد بالصواريخ مع الدفاع في العمق عبر شبكات دفاع جوي وتحصينات داخلية، على نحو يجعل أي تقدم في مستوى الحسم مكلفا زمنيا وبشريا للخصم.

خامسا: المسار الراهن كاستمرارية تاريخية لا كإستثناء

أشارت تحاليل كثيرة في توصيف الإستراتيجية العسكرية الإيرانية في الحرب القائمة منذ 28 فيفري الماضي، إلى أنها تدور حول الردع بالتحمُّل  deterrence by endurance :  أي إقناع الخصم بأن محاولة إسقاط النظام أو شله، ستقود إلى سلسلة طويلة من التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية، أكثر مما ستقود إلى حسم سريع.

استفادت إيران بقدر كبير من مراقبة الأخطاء الأمريكية في أفغانستان وحرب احتلال العراق، ومن دروس “قطع الرأس” في فنزويلا، في إثراء إستراتيجيتها العسكرية؛ فقد أظهرت التجربة الأفغانية أن التفوق الجوي التقني، لا يؤدي إلى حسم سياسي، وأن غزوا سريعا يمكن أن يتحول إلى عبء استنزاف طويل، حين يواجه بيئة اجتماعية سياسية معبّأة، وأطرافا قادرة على إعادة توليد قدراتها القتالية محليا؛ وهو ما عزز لدى القيادة الإيرانية منطق “الرهان على الزمن”، وتعميق القدرة على امتصاص الضربة الأولى ثم الاستمرار.

أما في العراق، فقد برزت كلفة تفكيك مؤسسات الدولة، وفشل رهانات “الصدمة والترويع”، في إنتاج نظام مستقرّ موالٍ بالكامل، بما رسّخ لدى إيران قناعة أن خصمهم الرئيسي، يميل إلى المبالغة في تقدير أثر الضربات الافتتاحية، على تماسك الأنظمة والمجتمعات، وأن مواجهة هذه الضربات ببنية اجتماعية عقائدية صلبة، يمكن أن يحوِّل النصر العسكري إلى مأزق سياسي للمهاجم.

ومحاولة “قطع الرأس” سياسيا في فنزويلا،  كان درسا إضافيا حول محدودية الرهان على انهيار الأنظمة من الأعلى، إذا كانت الطبقات الوسطى من السلطة والأجهزة الأمنية العسكرية منظمة ومتماسكة.

لذلك أعادت إيران تصميم هرم قيادتها العسكرية الأمنية، في اتجاه يزيد من لامركزية القرار، ويضمن وجود “سلاسل بديلة”، يمكنها الاستمرار في إدارة الحرب، حتى مع حالة اغتيال قادة الصف الأول، بما يجعل إستراتيجية “قطع الرأس لإحداث الشلل” أقلَّ جدوى في حرب استنزاف طويلة.

كما تبدو إدارة إيران للعمليات العسكرية في الحرب القائمة، أنها ذروة تَطَوّر لمسار طويل يجمع بين: ميراث الإمبراطورية في استثمار الجغرافيا والزمن، وميراث الثورة الإيرانية في تعبئة المجتمع والحرب اللامتماثلة.

خاتمة

تُظهر إدارة إيران للحرب منذ اندلاع الحرب القائمة، أن الإستراتيجية العسكرية الإيرانية، هي تتويجٌ لمسار طويل من التراكم التاريخي في الفكر والأداء العسكري الإيراني.

من ميراث الإمبراطوريات القديمة الذي رسّخ مركزية العمق الجغرافي وحرب النَّفَس الطويل، مرورا بتجربة “الدفاع المقدس” في حرب إيران والعراق وما أنتجته من ثقافة التحمُّل وبناء قاعدة تسليح ذاتية، وصولا إلى عقيدة الحرس الثوري والحروب اللامتماثلة، فإن عناصر الإستراتيجية الراهنة، ليست جديدة في جوهرها بل استمرار لميراث فكري تاريخي: منع الحسم، وفرض كلفة متزايدة على الخصم، واستخدام الزمن والفضاء والبشر، كموارد إستراتيجية موازية للسلاح.

تعمُد إيران إلى توجيه جزء معتبر من قدراتها النارية نحو العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية والبنى الاقتصادية الإقليمية، حتى يدفع الخصم ثمنا داخليا واقتصاديا وسياسيا لاستمرار الحرب، ويزيد من حجم الضغوط الداخلية والدولية للتراجع أو التهدئة. بهذه الأهداف الثلاثة لا يتضح أن الإستراتيجية العسكرية الإيرانية تسعى إلى“النصر الكلاسيكي” على قوة جوية متفوقة، بل إلى منع هزيمتها العسكرية السريعة، وإطالة أمد الصراع حتى يتحول الزمن والاستنزاف إلى جزء من سلاحها.

بعد فشل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في تحقيق حسم سريع، انتقلت إيران إلى المواجهة تدريجيا، نحو نمط “حرب استنزاف” يكون فيها الزمن في مصلحة إيران وذلك بالاستمرار في إطلاق دفعات أقل من الموجات الأولى، ولكن بصورة منتظمة ومؤلمة، يحافظ على مستوى تهديد دائم، من دون استنزاف كامل للترسانة، وتوظيف أوراق الحلفاء لتوسيع مساحة التهديد، بحيث يصبح إنهاء الحرب مشروطاً بتسويات إقليمية أوسع، واستثمار الضغط الدولي والإنساني المتصاعد على الولايات المتحدة وإسرائيل، نتيجة طول أمد الحرب وآثارها الاقتصادية والإنسانية، لتحويل الإنجاز العسكري للخصم إلى عبء سياسي عليه.

استفادت إيران بقدر كبير من مراقبة الأخطاء الأمريكية في أفغانستان وحرب احتلال العراق، ومن دروس “قطع الرأس” في فنزويلا، في إثراء إستراتيجيتها العسكرية؛ فقد أظهرت التجربة الأفغانية أن التفوق الجوي التقني، لا يؤدي إلى حسم سياسي، وأن غزوا سريعا يمكن أن يتحول إلى عبء استنزاف طويل، حين يواجه بيئة اجتماعية سياسية معبّأة، وأطرافا قادرة على إعادة توليد قدراتها القتالية محليا؛ وهو ما عزز لدى القيادة الإيرانية منطق “الرهان على الزمن”، وتعميق القدرة على امتصاص الضربة الأولى ثم الاستمرار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!