الآن يا سُدَيس!
رغم كل ما يعيشه المسلمون منذ وقتٍ طويل من محنٍ وانقسامات وحروب وفتن عادةً ما تنغّص عليهم أعيادهم كل سنة، إلا أن اتفاق الهدنة الجديد في سوريا وخطبة الشيخ السديس في عرفة شكّلا علامتين مضيئتين في عيد الأضحى لهذه السنة.
اتفاقُ الهدنة الجديد يمنح بصيص أمل في أن يتحوّل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار في سوريا واستئناف الحوار بعد نحو ثلاثة أسابيع من الآن، قصد التوصّل إلى تسويةٍ تُرضي الطرفين المتصارعين على الحكم وتُنهي هذه الحرب الأهلية المدمِّرة التي أتت على الأخضر واليابس وشرَّدت ملايين السوريين وأصبحت تنذر بصوْملة الدولة السورية واختفائها من الخريطة…
من جهتها، كانت خطبة الشيخ السديس ملفتة للانتباه؛ فقد حذّر فيها من الفرقة بين المسلمين، ومن أن يكون قادة الأمة وعلماؤُها سببا في ذلك، ودعا القادة إلى “التضامن وتنسيق الجهود لحلّ قضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين والمسجد الأقصى المبارك ومأساة إخواننا في الشام والعراق واليمن وغيرها”. ولعل من المهمّ جدا أن تُذكر فلسطين على رأس هذه القضايا، فهي القضية العربية الأولى ويجب أن لا تتدحرج أبدا على سلم الأولويات وتحلّ قضايا أخرى محلها أيّا كانت.
كما أن دعوته للقادة إلى اتخاذ “الحوار طريقا لمناقشة قضايانا والتناصح بالخير سبيلا لتعزيز أخوّتنا”، ومعالجة “مسبِّبات الفرقة والاختلاف بالاحتواء والحوار…” تُعدّ أيضا ذات دلالةٍ كبيرة في عصر طغى فيه التشنّجُ والتصعيد بين مختلف الدول العربية والإسلامية بشكل ينذر بحروب داحس وغبراء جديدة لا طائل من ورائها.
رسالة أخرى بالغة الأهمية وجّهها الشيخ السديس للعلماء والدعاة: “احذروا الحزبيات والتصنيفات والفرقة والانقسامات”، وحذر الشباب المسلم من “آفة الإرهاب والتكفير، وكل طريق يفرِّق الصف ويؤدي إلى اختلاف الكلمة وتمزيق الشمل”… منبّها إلى أن “من عوامل الزيغ والضلال في الأمَّة التسارع في تكفير أهل القبلة”.
هي رسائل عديدة في وقتٍ طغى فيه التعصّبُ المقيت واستسهالُ التكفير وهدرِ الدماء، وتفاقمت الاصطفافاتُ الطائفية والاستقطابات بشكلٍ يُنذر بالمزيد من الفتن والحروب التي قد تدوم عشرات السنوات ويسقط فيها ملايينُ القتلى ولا تزيد المسلمين سوى ضعفٍ وهوان وتشتُّت وتمزق، ولا يستفيد من ذلك إلا الكيان الصهيوني الذي يتمنى أن تزداد نيرانُ الفتن الطائفية المُنتِنة بين المسلمين اتِّساعا حتى ينسوا فلسطين وتهويد القدس وتقويض أساسات المسجد الأقصى استعدادا لهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، فضلاً عن خدمة المخطط الجديد للغرب الرامي إلى إعادة تقسيم الدول الإسلامية الـ56 إلى مئات الدويلات الهزيلة المتناحرة.
هو خطابٌ هادئ قدّمه الشيخ السديس يختلف عما سمعناه من عشرات العلماء والدعاة خلال السنوات الأخيرة التي فتح فيها “الربيع العربي” الباب واسعا لفتن خطيرة بين المسلمين، خطابٌ يدعو القادة والعلماء والإعلامَ إلى تحمّل مسؤولياتهم الخطيرة إزاء الأزمات الحالية وما تشهده من تشنّجٍ وبغضاء وأحقادٍ وتكفير واستقطابات واقتتال أعمى وبحارُ دماء وخطاباتِ شحنٍ طائفي خطيرة ما فتئ بعضُ الإعلام العربي الثقيل يروّج لها منذ سنوات من دون وعي بتداعياتها الخطيرة على صفوف الأمة.
إنه خطابٌ بليغ جاء في وقت تفشّت فيه خطاباتُ التحريض على الكراهية والشحن والتهييج… نرجو فقط أن يعيه قادة الأمة وعلماؤها وشبابُها ويكون فاتحة عهدٍ جديد للمسلمين المثخَنين بجراح التمزُّق والتفكك والفِتن.