الإنسان الافتراضي
ح. م
يبدو أن العالم الافتراضي قد حل محل العالم الحقيقي، حيث أصبح الناس يعتمدون في علاقاتهم على هذا العالم الذي كاد يحل محل العالم الحقيقي.
لقد اختفت الكثير من العلاقات الحقيقية، بما في ذلك العلاقات الأسرية، التي عوضها الكثير منا بالاتصالات الافتراضية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف المنقولة، ولو في المناسبات التي في العادة تتطلب الحضور الأكيد، مثل الأعياد والأفراح والجنائز، التي يلتقي فيها الناس وجها لوجه، فأصبح الواحد منا يكتفي بمهاتفة لا تستغرق دقيقتين، للتهنئة والتعزية وغيرها من الزيارات… ونفعل ذلك نحن فرحون جدا بما نفعل، ولذلك رأيت من المناسب أن أطلق على هذا النوع من البشر، الذي هم نحن اليوم، “الإنسان الافتراضي”؛ لأن هذا الإنسان استغنى، أو على الأقل شعر بأنه مستغنٍ، عن اللقاء بأخيه الإنسان، فهو يدرس ويُدرِّس عن بعد، ويشارك في الأنشطة الثقافية عبر منصات التواصل، ويقضي مصالحه عبر مؤسسات التوصيل، فلا يذهب إلى السوق والمتاجر، وإنما يكفيه الاتصال عبر الوسيط الافتراضي، ليصله ما يريد بواسطة شركة التوصيل؛ بل أصبح مستغنيا عن التعامل بالأوراق النقدية، بفضل بطاقة الائتمان أو العملة الإلكترونية…؛ والأغرب في كل هذا تعطيل صلة الرحم التي نمارسها تجاه أقاربنا، والتي كانت من القيم التي يتميز بها المسلمون عن غيرهم من الشعوب…
استدرجني إلى هذا الموضوع فيديو إشهاري أرسله إلي أحد الأصدقاء، يبشر بتأليف كتاب في يوم واحد، بواسطة الذكاء الاصطناعي، فتدافعت المشاهد المحزنة والمخزية المخزنة بالذاكرة، التي تحكي عن بعض الحقائق المرة التي عشناها لعقود، في الترويج لعالم التنمية البشرية، الذي سُوِّق عند البعض للكثير من الأوهام، من الذين كانوا يبشرون الناس بتحويلهم إلى خبراء وناشطين وفاعلين اجتماعيين في جميع مجالات الحياة، لمجرد مشاركتهم في دورة تدريبية من يومين أو ثلاثة أو أسبوع، كما استحضرت تلك العناوين الترويجية الجذابة لكتب لا قيمة معرفية لها، كما ربط ذهني ذلك بفكرة الرقية الشرعية التي يلجأ إليها الكثير من المسلمين لمطاردة معاناتهم النفسية، ولا أدري لماذا كان هذا الربط؟ ربما لأن العجز والغثائية التي أُصيب بها المسلم، هي التي أجبرته على السير في هذا الرواق الضيق، بما يحمل من أوهام الكرامات والأمور الغيبية العصية على الفهم والإدراك والتفسير.
إن العالم الافتراضي في جميع المجالات قد تحول إلى حقائق، وإدارة افتراضية كاملة الأركان في جميع المجالات، قادرة على تحقيق حاجاتنا كلها عن بعد، بحيث يتحدث الناس اليوم عن “حكومة افتراضية”، وما يفرض نفسه علينا أيضا الذكاء الاصطناعي، الذي يستجيب لمتطلبات الإنسان بضغطة زر… وهذا الإنسان الافتراضي، ومعه العالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي، هو في الحقيقة، عندما ننظر في محصلته وثماره العاجلة، أمر مهم وإيجابي جدا، ولكنه يسرق منا أفضل ما يتميز به الإنسان، وأستعير لكم من تجربتي الشخصية ما يفيد ذلك.
عندما كنت أبحث، في بدايات التحصيل، كيف أدخل عالم الكتابة؟ لأن تخصصي الأصلي محاسبة درستها باللغة الفرنسية، ولا علاقة لي بالكتابة، رحت أبحث عن الكتب التي أتعلم بها الكتابة، فوجدت كتبا تتكلم عن كيفية كتابة مقال، وأخرى تتكلم عن الجانب الفني في الكتابة، وأخرى تتكلم عن التركيب اللغوي… المهم، بعد بحث طويل وعسير وقراءة الكثير من الكتب في ذلك، لم ألتق بكتاب علمني كيف أكتب، وإنما تعلمت الكتابة بالممارسة، فكنت أراسل الجرائد في أركان القراء، حيث يوجد في كل جريدة يومية ركن خاص بالقراء، وكلما نُشر لي مقال شعرت بأنني بدأت أتعلم الكتابة، وهكذا إلى أن أصبحت كاتبا، رغم أنني، كما ذكرت، لم أتلق طريقة أُمليت علي من كتاب أو من قبل شخص، إلا عبارة واحدة قالها لي الأستاذ عبد الحميد عبدوس، الذي كان يومها صحفيا في جريدة الشعب، وهو كاتب روائي قبل ذلك، رغم أنه لم يهتم بالكتابة الروائية -خسارة للأدب
الجزائري-. إذ قال لي: “الكتابة هي أسلوب”، ولم أعرف يومها معنى ما قال، إلا بعد أن تعلمت وأصبح لي أسلوب في الكتابة.
فمن أين تعلمت الكتابة إذن؟
تعلمت الكتابة بباعث داخلي، دافعه الرغبة في الكتابة لا أكثر ولا أقل، وذلك الدافع هو الذي فرض علي ودعاني إلى الاهتمام بالتعابير الجميلة، وطرق معالجة المواضيع، واستحضار الاستشهادات من الأحداث التاريخية والنصوص الأدبية، ونصوص الوحي عندما يتعلق الأمر بمسألة دينية، أو تصريح سياسي عندما يتعلق الأمر بتحليل سياسي…، فلو افترضنا أنك تطلب من “شات جي بي تي” أن يكتب لك مقالا في موضوع ما، فإنه يكتب لك مقالا متقنا هندسيا، ببناء المقال بناء دقيقا، ولكنه خال من روح الإنسان، فلا تلمس فيه روحا، وإنما تلمس قضايا رياضية: 1 + 1 = 2… وهنا كانت لي تجربة أيضا، فقد طلبت من “شات جي بي تي” أن يكتب لي قصة قصيرة للأطفال في سن 7 سنوات، فلبى لي الطلب، ثم قال لي: إذا أردت أن أختار لك صورا مناسبة لهذه القصة، فطلبت ذلك فأحضر الصور… ولكن عندما قرأت القصة التي اخترت لها أنا الموضوع، رأيت أنها جافة، لا يمكن أن تصل روح الموضوع إلى الطفل عندما يقرؤها أو تُقرأ له.
ولندخل في مناقشة الفرق بين التركيب الهندسي للموضوع أو القصة، وبين روح الموضوع أو القصة، لا بد من الانطلاق من طبيعة التركيبة البشرية، فعندما يريد الإنسان أن يكتب موضوعا أو قصة، فإن منطلقه يكون من الخيال، أي من الخواطر التي تجول بذهنه، ليختار كيف يبدأ الموضوع، من البداية أو من النهاية أو من الوسط، ثم يستحضر المادة التي سيستعين بها في توضيح الموضوع وعرض أدلة الإقناع… ثم يشرع في الكتابة… أما الذكاء الاصطناعي فبين يديه بنك معلومات، من مفردات وتراكيب وأساليب وترتيبات نحوية، فعندما يُطلب منه موضوع، فإنه لا يخرج عما بين يديه من معلومات في ذلك، فلا يهتم بالتكرار كفن أدبي، ولا يضفي على الموضوع جماليات لغوية، وإنما يكتفي بما يؤدي الغرض -شكلا- في بناء المقال أو القصة، لكن هل ذلك كاف للتأثير النفسي على قارئ الموضوع أو القصة؟
كتبت مقالا وأعطيته لـ”شات جي بي تي”، وطلبت منه تصحيحه من الناحية النحوية واللغوية، فصحح الموضوع ورده إلي وقد ألغى منه حوالي مائتي كلمة من أصل ألف وثلاثمائة كلمة، ولما سألته لماذا؟ قال لي: حذفت الأمور المكررة، وغيرت العبارات بما يقلل من عدد الكلمات…؛ لأن الذكاء الاصطناعي لا يرتقي إلى مستوى التقدير الإنساني في جودة الكتابة، فمثلا علقت عن أمر سيئ بقولي: “وقد كان ذلك في ظِلال وضَلال السيد فلان”، فـ”شات جي بي تي” حذف كلمة “ضلال” وأبقى على “ظلال”، وأنا تعمدت كتابة “ضَلال” و”ظِلال”؛ لأنني أريد أن أقول إن ذلك الشيء كان في زمن فلان وضلالاته وانحرافاته…
الإنسان الافتراضي إذن… إنسان من الناحية التقنية جيد وممتاز، ولكنه مجرد من طبيعته الإنسانية، وكأنه بلا روح، ومن ثم فهو مبرمج وفق ما يراد له، وليس وفق ما يريد هو… ولذلك أجد نفسي مضطرا إلى أن أقارن بيننا وبين غيرنا من الشعوب المتقدمة عنا في تعاملهم مع الذكاء الاصطناعي، وهي مبرمجة أيضا، ولكنها تتميز عنا بالاستثمار فيما توفر من وقت ربحته بفضل تعاملها مع الذكاء الاصطناعي… فمثلا الغربي يستفيد من توفير الوقت فينفقه في أمور أخرى يحتاج فيها إلى الوقت، ويستعين بالذكاء الاصطناعي من أجل توفير المال الذي كان ينفقه في الكثير من الأمور.
أما نحن فنوفر الوقت، ولكن نستثمره في الإكثار من النوم واللعب واللهو… والمصنع الذي يشتري آلات ذكية ومتقدمة في الغرب، فإنه لا يسارع في تسريح العمال الذين يستغني عنهم المصنع بفضل الآلة الذكية مثلا، وإنما يعيد تأهيلهم للقيام بأعمال أخرى غير التي كانوا يقومون بها.
الذكاء الاصطناعي يقدم لك أفضل مما تطلب من المعلومات من الناحية التقنية والكمية، أما ما يتصل بهذه المعلومات من أحاسيس وأذواق وخواطر، فلا يمكن أن يقدم لك شيئا، وربما يصف لك الشعور والحس والذوق، ولكن لا يقدمه ضمن ما يقدم من معطيات كمية؛ لأنه مبرمج على استعمالها واستدعائها في الحالات التي بُرمج عليها.