الاغتيال الثالث لعميروش
من يقرأ كتاب (عميروش، حياة، موتتان، وصية) لسعيد سعدي تتبادر إلى ذهنه مجموعة أسئلة:
-
هل قدرُ عميروش وسي الحواس أن يومتا ثلاث مرات على صفحات ما يسمى بـ (ملحمة جزائرية) يتداخل فيها المنشور السياسي مع السرد القصصي ممزوجا بروايات من يسميهم بـ (الشهود)؟
-
ولماذا تجنب صاحب الكتاب الحديث عن عميروش كشهيد، وتحدث عن “موته” و”اغتياله”؟
-
وهل الثورة الجزائرية قامت من أجل تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي الذي دام 125 سنة لتندلع في الفاتح من نوفمبر 1954 أم أن هذه الثورة جاءت لتصفية ثلاثة رموز لـ “تيزي وزو”؟!
-
وهل للجزائر أربع هويات هي الشاوية والقبائلية والعربية والإسلام؟ وماذا تعني هذه المصطلحات لدى المؤلف؟
-
-
المغالطات
-
ينطلق سعيد سعدي من مغالطة تضليلية، وهي الادعاء بأن منطقة القبائل (تيزي وزو) تتميز عن منطقة الشاوية (الأوراس) ذات البعد “البدوي المعرب” بـ (القيم الكونية) مستندا إلى الزعم بأن الأوراس مجتمع غير متجانس عكس القبائل ذووي الثقافة المتجانسة (ص 108)، وبفضل ذلك توحدت خلف رموزها الثلاثة وهم عبان رمضان وكريم بلقاسم وعميروش بينما تشتت شمل ثوار الأوراس بعد استشهاد مصطفى بن بولعيد، ولولا انتقال عميروش إليها وتوحيدهم لقامت حرب أهلية بالمنطقة.
-
والكتاب يأتي كمحاولة للتصدّي لكل من يريد النيل من هذه الرموز بإبداء الرأي أو النقد، ويحاول الطعن في بقية رموز الثورة الجزائرية والمقاومة، بدءا من مصالي الحاج الذي يعتبره “سجين الهيمنة العربية الإسلامية” (ص 40)، وحتى بوضياف كان متأثرا بهذا الفكر (ص 51)، أما علي كافي فهو صاحب ذهنية محافظة ومعقد من عميروش لأنه معرب.
-
أما الوَقِحُون الحقيقيون فهم عبد الحفيظ بوصوف وعبد الله بن طوبال وهواري بومدين وسعد دحلب وأحمد بن بلة، فوقاحتهم حاولوا بها “من مثلنا الأعلى حطّم حلمنا، صادروا منا قدوتنا الذي لبّى كل نداءاتنا في أحلك الأوقات، وغذّى آمالنا وصان كرامتنا، وكنا نحاول عن وعي أو غير وعي الاقتداء به في كل شيء” (ص 229).
-
هذه الوقاحة التي يتحدث بها سعدي عن رموز الثورة لا تختلف عن وقاحة مرشح لرئاسيات 2004 سانده حزب (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) وقف على منصة أمام أنصاره من اللائكيين وبجانبه ولداه ليعلن أنه يحس بالشعب الجزائري لأنه أنجب أطفالا، منتقدا منافسه الذي كان ولي نعمته، لأنه غير متزوج، متجاهلا أن هناك ثلاثة رؤساء حكموا الجزائر وهم لا ينجبون وهم فرحات عباس (رئيس أول حكومة مؤقتة خلال الثورة المسلحة) والذي تبنّى ابنا له، وأحمد بن بلة (أول رئيس للجزائر بعد استرجاع السيادة الوطنية 1962) وهواري بومدين (الرئيس الثاني للجزائر خلال فترة 65 - 1979)، وهو الآخر تبنى ولدا.
-
ولأن سعيد سعدي تشبع بثقافة معلمه مارسيل ڤالوبار (خلال الاحتلال) فهو يبدأ كتابه بالحديث عن نشأة هذا المعلم الفرنسي “المليء بالحيوية مثل سكان الوسط الفرنسي، فهو قد نشأ وتربّى في كنف الجمهورية الرابعة ولم يكن محاربا ولا معاديا للأجانب (الجزائريين!)، قدم إلى الجزائر مقتنعا بأن هناك مجموعات بشرية (القبائل!) تعاني من التخلف والدونية التي كنّا عليها منذ الأزل”. (ص23).
-
لو كان صاحب الكتاب من السكان الأصليين لتيزي وزو لما تجرأ على إهانة أهلها بوصفهم بـ “الدونيين”!
-
من يفقد هويته منذ الصغر يعتز بـ (هوية غيره)، وهم أكثر قابلية للاستعمار، كما يعتقد مالك حداد، فسعيد سعدي يزعم أن قادة الثورة الجزائرية كانوا معجبين بالنموذج الفرنسي، وهو يدعو الشعب الجزائري إلى الاقتداء بالعدو الفرنسي قائلا: “فعلى الشعب إذا أراد أن يكون ناضجا ويحظى بالاحترام الدولي أن يقلد ما شيده الأسياد بالأمس، ولا بد لتحرير الشعب الجزائري أن يمرّ ببناء مؤسسات مماثلة للمؤسسات التي حلمته” (ص 67).
-
مشكلة سعدي هي أنه جهوي وليس له ثقافة رجل الدولة أو المثقف المستنير فقادة الثورة هم مجرد رموز جهوية: العموري (قائد شاوي) – ص 123 – والعقيد عميروش (قائد قبائلي) ص 131.
-
وما دام مسؤولو الثورة، في اعتقاد سعدي، هم شاوية أو قبائل أو ضحية الفكر العربي أو الإسلامي، فهل جاء بكتابه لتضليل الرأي العام بالادعاء بأن بومدين وبوصوف يقفان وراء اغتيال عميروش وسي الحواس وكذلك وراء مكيدة اغتيال عبان رمضان وحتى العقيد سي ناصر (محمدي السعيد) هو ضحية الدين الإسلامي والفكر النازي الألماني (ص 138) والغوغائية (ص 143).
-
ولو اختار مقولته الشهيرة في تيزي وزو عام 1962: “تحيا الجزائر – يحيا الإسلام- فيفا ربي” لاعتبرت ذلك مبررا لما يدعيه، لأنه مهوس بكراهية كل ما هو عربي أو إسلام، ولا يصف أصحاب هذا التوجه بـ (القبائل أو الشاوية).
-
ولو كان سي ناصر من بجاية لما تجرأت على التطاول عليه، لأن له حقدا دفينا على قادة بجاية وفي مقدمتهم عميدهم عبد الرحمان ميرة، فهو يرى فيه مجرد رائد “متشبث بالسلطة” وحتى تعيين عميروش له نائبا لا يعترف به، لأن الوثيقة وجدت مع جثة عميروش بالرغم من استخدامه وثائق أخرى فرنسية ضد قيادات الثورة (ص 212)، حتى الضباط الأحرار الذين طالبوا برفع التهميش عن رموز بجاية يطعن في حركتهم.
-
إن اعتزاز سعدي بفرنسا ولغتها وجيشها وصل إلى مستوى “الولاء العلني والإساءة إلى تيزي وزو التي قدم لاجئا إليها من “بسكرة” متوهما أن أصوله من المنطقة القبائلية، ولنأخذ أمثلة من الكتاب، يقول عن مؤتمر الصومام إنه يحمل “قيما كونية” مبررا ذلك بأن “أشغاله كانت تجرى بالفرنسية وأحيانا بالقبائلية” (ص 87)، ويقلل من شأن الثورة الجزائرية زاعما أن المؤتمر جاء نتيجة “الأخطاء السياسية والعسكرية التي ارتكبتها جبهة التحرير” (ص 74)، وكأنه لا يفرق بين جيش التحرير وجبهة التحرير.
-
ويُصرّ على أنه “قبل مؤتمر الصومام كان ينظر إلى جبهة التحرير الوطني عموما على أنها مغامرة من غير أمل”، فهل سعدي مكلف بمهمة تشويه الثورة أم هو مجرد “تقرب وولاء” لفرنسا الجديدة بقيادة ساركوزي، وهو بذلك يلتقي مع الفكر “البربري والمصالي” الذي حاربته الثورة عام 1956.
-
ومن يطلع على وثائق فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا يجد وثيقة بتاريخ 20 أوت 1956 (يوم انعقاد مؤتمر الصومام) وقّعها كل من العربي بن مهيدي وكريم بلقاسم وعبن رمضان وأوعمران وزيروت يوسف وابن طوبال وسي الشريف (4 قبائل و3 عرب) تدعو الثوار إلى تصفية البربريين والمصاليين والمناهضين للثورة الذين يواصلون التفرقة في صفوف الجالية الجزائرية بفرنسا.
-
يبدو لي أن سعدي يريد تصفية عميروش لأنه صار رمز الجزائريين بتحويله إلى “رمز قبائلي” وتجريده من صفة الشهيد لأنها ذات بعد ديني حتى يتصالح مع قناعاته “الفرنسية”، فهو يعترف في بداية ملحمته بأن “طلب الصفح من فرنسا مسألة تعني الفرنسيين وحدهم”( ص 19)، بينما ما نطلبه هو الاعتذار عن جرائمها المرتكبة في حق الجزائريين خلال 132 سنة من الاستيطان والإبادة.
-
-
مفارقات “البكارة والتّبوّل”!
-
يهدف سعدي وراء هذا الكتاب إلى تمرير رسالة إلى فرنسا فحواها أن المنطقة القبائلية هي التي شجعت بعض قادة الولاية الرابعة على تبني نداء ديغول المتعلق بما يسمّى بـ (الشجعان) حيث يقول في ص 173 بالحرف الواحد: “إن من أطروا الولاية الرابعة هم مجموعة ممن حاربوا في الجيش الفرنسي وغادروا -في وقت مبكر- منطقة القبائل”.
-
-
المفارقة الأولى: “فحص البكارة”!
-
يزعم سعدي بأن التحاق النساء بالثورة في المنطقة القبائلية كان مرتبطا بـ “فحص بكارتهن” (ص 139)، ويستدل على ذلك بأن عميروش طلب من طبيبه “فحص بكارة إحدى الفتيات” لدرء التهمة عن أحد جنوده المتهم بالاغتصاب (ص 140).
-
والأكثر غرابة هو أن سعدي يدعي بأن عميروش أوعز لكاتبه الخاص أن يقوم بدور العشيق لفتاة التحقت بالثورة حتى يكتشف حقيقتها! (ص 179).
-
-
المفارقة الثانية: قصة اللباس!
-
إن عميروش الذي تحول إلى أسطورة شعبية جزائرية في الذاكرة الجزائرية يتحول في كتاب سعدي إلى مجرد ضابط يلتقي في تونس بالطبيب مصطفى لعليام الذي يلاحظ أنه يلبس “قميصا وسروالا من الكتان” فيدخله إلى المحلات ويشتري له لباسا جديدا دون أن يعترض عميروش أو يستحي الطبيب من سلوكه (ص 129)، فهل “الأبهة” التي يتمتع بها عميروش والتي توقف عندها الكتاب (ص 188) هي نقطة ضعف أم قوة؟
-
-
المفارقة الثالثة: عقيد دون منصب!
-
هل يجهل سعيد سعدي أن الترقية إلى رتبة عقيد على مستوى الولاية مرتبطة بتقلد المنصب، وأنه مجرد استشهاد قائد الولاية (عقيدها) يتولى المنصب والرتبة نائبه، وحتى في حال استدعائه إلى تونس لمهمة أخرى يخلفه تلقائيا نائبه؟
-
وعندما استدعت قيادة الثورة بتونس سي ناصر (محمدي السعيد) ليتولى رئاسة قيادة أركان القاعدة الشرقية صار عميروش عقيدا خلفا له.
-
لكن رواية سعدي تختلف فهو يقول في ص 146: “إن عميروش تمت ترقيته إلى رتبة عقيد في جويلية 1957 دون علم سي ناصر، وأن عميروش قال له أثناء التنصيب: لقد عينت على رأس الولاية الثالثة وأنت منتظر بتونس” وكأنه يريد أن يوهمنا بأن رتبة عقيد التي أعطيت لعميروش ليست مثل بقية رتب العقداء؟
-
-
المفارقة الرابعة: التّبوّل على المجاهدين!
-
يدعى سعدي بأن قرار الثورة بمنع التدخين هو قرار ديني يستهدف الضابط القبائلي عبان رمضان لأنه كان من كبار المدخنين (ص 234).
-
ويزعم، مرة أخرى، بأن اغتياله كان بتحالف ما بين بن طوبال وبوصوف (ص 202)، وأن سبب اغتيال عميروش هو ما ورد على لسان المؤرخ الفرنسي جيلبار ميني الذي يدعي بأن عميروش كان يريد الإطاحة بالحكومة المؤقتة (ص 203)، ويتحدث كثيرا عن دور (المكارثية) و(المكيافيلية) في الثورة الجزائرية، دون أن يدرك أن مضمون (الأمير) لمكيافيلي يختلف عن مشروع السيناتور الأمريكي الذي كاني يسعى الى استئصال الفكر الشيوعي في أمريكا عام 1956.
-
وقد ترددت كثيرا في نقل ما ورد في كتاب سعدي، صفحة 206، لأنه كلام لا يصدر إلا عن مجانين، ولا يوجد له مبرر سوى إثارة الفتنة بين المجاهدين، حيث يقول: “إن أحمد بن شريف تبوّل على وجوه مجموعة لعموري التي قادت الانقلاب ضد الحكومة المؤقتة أمام الجميع وهم مقيدون بالأغلال”، أعتقد أنه من حق عائلة بن شريف وعائلة لعموري متابعته قضائيا، لأنه يقدم معلومات خاطئة يراد منها زرع الفتنة وهي أشد من القتل.
-
(وللحديث بقية)…