الانتفاضة الثالثة أو تهويد كل فلسطين
تعيش القضية الفلسطينية هذه الأيام إحدى أحلك المراحل وأخطرها في تاريخها بفعل وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؛ ففي ظرف ثلاثة أسابيع فقط، قرر الاحتلال الصهيوني بناء نحو 7500 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وصادق برلمانُه على مشروع قانون يضفي الشرعية على سرقة أراضي الفلسطينيين التي أقيمت عليها بؤرٌ استيطانية عشوائية.
وإذا تواصل الاستيطانُ بهذه الوتيرة السريعة، فقد لا ينتهي عهد ترامب، إلا وتكون الضفة الغربية قد أبتُلِعت بالكامل، وهُدِّم الأقصى وبُني “الهيكلُ” المزعوم بدله، وضاعت فلسطين، ليتفرّغ الصهاينة بعدها للتخطيط لتجسيد حلمهم الكبير بإقامة “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلى النيل.
إنها نقطة النهاية لـ”حل الدولتين”، و”المبادرة العربية للسلام” التي طالما توسّل القادة العرب للصهاينة بقبولها مقابل التطبيع الشامل، وذهبوا إلى حدّ شراء صفحات إشهارية بجرائد عِبرية لنشر مضمون هذه المبادرة بأموال شعوبهم، وذلك بذريعة “مخاطبة الشعب الإسرائيلي مباشرة وإقناعه بالسلام”!
اليوم سقط وهمُ “السلام” المزعوم، واتّضح أن السلطة الفلسطينية والقادة العرب قد أوقعوا القضية الفلسطينية في كارثةٍ كبيرة بترويجهم المستميت لأكذوبة “السلام”، والتأكيد بأنه “خيارُهم الاستراتيجي الوحيد”، ومن أجله عادوا المقاومة وتآمروا عليها مع الاحتلال وحاصروها وكادوا لها.
وبرغم خطورة الوضع وكشفِ العدوّ الصهيوني عن نواياه الحقيقية دون أدنى لُبس، فإنَّ السلطة الفلسطينية –كعادتها- لم ترقَ بموقفها إلى مستوى التحدِّي، وأقصى ما فعله عباس هو فقط التهديد بوقف “التنسيق الأمني” مع الاحتلال، و”مقاومة” تغوّل الاستيطان عن طريق اللجوء إلى المنظمات الدولية؟!
لو كانت السلطة الفلسطينية تستشعر فعلا الخطر الماحق الذي يهدد بتصفية القضية الفلسطينية نهائياً لنفذت تهديداتِها السابقة بسحب الاعتراف بـ”إسرائيل”، وحلِّ السلطة الفلسطينية، وإنهاءِ “التنسيق الأمني” الذي قدّم خدماتٍ ذهبية للاحتلال ووفّر الحماية لنصف مليون مستوطن دون مقابل، ولتصرّفَ رئيسُها عباس كما تصرّف المرحوم ياسر عرفات في سبتمبر عام 2000 فور فشل قمة كامب ديفيد مع باراك وبيل كلينتون؛ إذ فجّر الانتفاضة الثانية في الضفة وغزة معاً وصالحَ حركة حماس وفصائل المقاومة وأطلق نشطاءها من سجونه، وأطلق أيديهم ليضربوا جنود الاحتلال ومستوطنيه حيث ثقِفوهم.. وقد قدّم الفلسطينيون آنذاك تضحياتٍ جسيمة، ولكنهم تمكنوا في عام 2005 من تحرير غزة وأجبروا شارون على سحب جنوده ومستوطنيه منها دون قيدٍ أو شرط، فما الذي يمنع محمود عباس الآن من الثورة على العربدة الصهيونية والأمريكية، والتصالح مع فصائل المقاومة، وقيادة انتفاضة شعبه في الضفة، وهو يرى الصهاينة يصرّون على إغراق ما تبقى من أراضيها بالمزيد من المستوطنات وتهويد فلسطين تحت الرعاية السامية لترامب؟
في جميع الأحوال، وبعد أن سقطت كل أوهام السلام وأوصلنا مسلسلُ المفاوضات الماراطونية العبثية و”التنسيق الأمني” مع الاحتلال إلى هذه النتائج الكارثية المُفجعة.. لم يعُد للشعب الفلسطيني الآن من بديل سوى تطوير انتفاضة “الطعن والدهس” إلى انتفاضةٍ ثالثة شاملة في كامل الضفة والقدس، سواء بقيادة السلطة أو بدونها، انتفاضة سيدفع فيها الفلسطينيون ثمنا باهظا دون شكّ، ولكنه ثمنٌ لا مفرَّ منه للحؤول دون التصفية النهائية لقضيَّتهم وضياع فلسطين برمّتها.