البرادوني أحرج برارحي وعباسي مدني رفض زيارة غالي شكري
كانت الجزائر في بدايات الاستقلال معبرا وملتقى لمفكرين ومثقفين حيث استقطبت عاصمة بني مزغنة عدة أسماء لامعة مثل الشاعر الكبير نزار قياني ومحمود درويش والجواهري وسعدي يوسف إلى أدونيس وماجدة الرومي.. حاولنا في هذه الأسطر أن نقف عند عبور بعض الأسماء لهذا البلد وأبرز ما اعترضها من مواقف.
-
البرادوني كاد يحدث أزمة مع السعودية
-
كان عبد الله البرادوني، الملقب بأمير الشعراء اليمنيين، احد عمالقة الشعر في القرن العشرين الذين عبروا هذا البلد، مفكر وسياسي معارض، سجن في عهد الإمام حميد الدين بسبب مواقفه، إذ عرف البرادوني بآرائه الحادة وعدم المجاملة وحسن النكتة العالي، حيث كان يجيب مثلا من يسأله عن أحوال اليمن قائلا “انظر إلى وجهي تعرف أحوال اليمن” وكان مصابا بالجذري إضافة إلى العمى، رثته اكبر الصحف العالمية غداة رحيله إذ لقبه البعض “بعملاق الشعر” والشاعر البصير في الزمن الأعمى..” كتبت الصحافة الاوروبية تقول “تميزت حياة البرادوني بالكثير من المفارقات، فهو سياسي راديكالي يعتز بالتراث، وعلماني مفتون بأرض بلاده، وبطل للكلمة المكتوبة.. وفوق كل ذلك فهو أعمى تمكن من رؤية الحقيقة، ولم يكن يتردد عن الإعراب عن آرائه بكل جرأة وصدق”.
-
سجل البرادوني في حياته حوارات ولقاءات مع أكثر من قناة عربية، لكن الحوارات لم تكن تخرج للنور بسبب سلاطة لسانه بحيث لم يسلم من قلمه ولسانه لا حاكم ولا محكوم، ولا ملك ولا امير، لم تسلم منه أي حكومة عربية سواء كانت في وطنه او الدول التي نزل بها منفيا، سواء كانت في السلطة او في المعارضة، فحقد عليه الجميع وخشيه الجميع من العلمانيين والشيوعيين إلى أدعياء الرأسمالية والإسلاميين.
-
تعدى صيته العالم العربي واعترف به العالم أجمع بترجمة كتبه إلى مختلف اللغات، وتسلم عام 1993 وسام الفرسان من الجمهورية الفرنسية، تسلمه من يد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.
-
زار البرادوني الجزائر في منتصف السبعينيات بدعوة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عهد الوزير الأسبق عبد الحق برارحي، وكان يومها الراحل مصطفى كاتب مشرفا على دائرة النشاط الثقافي بالوزارة رفقة كل من عبد العالي رزاقي ومخلوف بوكروح، وكان لهؤلاء دور كبير في إطلاق مبادرة لإنشاء المسرح الجامعي باللغة العربية الفصحى، ولهذا المسرح يعود الفضل في اكتشاف عدة وجوه صارت فيما بعد من أشهر دعائم الحركة المسرحية في الجزائر أمثال صونيا ودليلة حليلو وفلاڤ وغيرهم، يومها كان سعد اردش وكرم مطاوع يشرفان على معهد الفنون الدرامية بالجزائر، فساهما في التأسيس ودعم المبادرة.
-
غير أن المبادرة تعثرت لأن وزارة الثقافة التي كان على رأسها يومها عبد المجيد مزيان اعترضت على وزرة التعليم العالي وادعت أحقيتها بالمشروع والمقر الذي أخذته في النهاية منظمة البوليساريو.
-
في هذه الظروف، زار البرادوني الجزائر بدعوة من وزارة التعليم العالي، غير انه عندما تلقى الدعوة وتذكرة السفر إلى الجزائر وكان مارا بالسعودية قبل دخوله إلى الجزائر، أقدمت السلطات السعودية يومها على توقيفه واستجوابه وحبسه لمدة 24 ساعة بتهمة “السفر إلى بلد شيوعي” وقد ورد هذا الكلام على لسان عبد الله البرادوني عندما وصل إلى الجزائر متأخرا عن موعده يوما واحدا، وهذا حسب شهادة الأستاذ عبد العالي رزاقي احد المنظمين لزيارة البرادوني إلى الجزائر.
-
عند وصول الشاعر إلى الجزائر لم يلق الترحيب الذي يليق به كواحد من وجوه الثقافة العربية المهمة، حيث عارض البعض زيارته للجزائر وكتب محمد فارح: كيف يمكن دفع أموال من اجل دعوة أعمى كان يمكن الاستعاضة عن حضوره بكتبه.
-
وبعد تقديم فاتورة بمبلغ 2000 دينار تمثلت في مجموعة من الكتب التي قدمت هدايا للشاعر، لما استدعى الوزير برارحي مصطفى كاتب يعاتبه ويلومه، قرر أن يوقف النشاط الثقافي ويوقف استقدام الشخصيات من الخارج.
-
يقول عبد العالي رزاقي: لما اخبرني مصطفى كاتب بالقرار وشرح لي الدواعي، أعددت له قائمة بـ 13 كتابا من مؤلفات البرادوني موقعة باسمه كهدية للوزير، وعندما قدمها مصطفى كاتب للوزير في اجتماع إداري اعتذر برارحي لمصطفى كاتب وتراجع عن قرار توقيف النشاط الثقافي ولام المجموعة التي قدمت له التقرير عن البرادوني وقال “ألا ترون أنه أكثر إنتاجا من طه حسين الذي لم يحدث أن وقع كتبه”.
-
-
غالي شكري: قربته الرئاسة وعارضه عباسي مدني
-
غالي شكري كاتب وباحث وناقد ومؤرخ عربي من جنسية مصرية، معروف بنشاطه لتأصيل الفكر العربي المعاصر، ربطته علاقات متميزة بالجائر التي زارها أكثر من 15 مرة، وكانت له علاقات جد متينة ووطيدة بالنخبة المثقفة والسياسية في الجزائر، كما عرفت عنه علاقاته الوطيدة بمؤسسة الرئاسة الجزائرية، دون أن يتمكن احد من المثقفين الجزائريين الذين عاصروه من تقديم تفسير منطقي لطبيعة تلك العلاقة خارج التوجه الاشتراكي التقدمي الذي كانت يومها الجزائر ترفعه وتتقاسمه مع كل التيارات المماثلة في الوطن العربي وخارجه.
-
يتحدث عبد العالي رزاقي عن إحدى زيارات غالي شكري إلى الجزائر التي كانت بدعوة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يذكر رزاقي الذي كان أحد المشرفين على ترتيب زيارة شكري للجزائر فيقول إنهم “برمجوا محاضرة للضيف في قاعة الكابري التي كانت يومها تحتضن اغلب نشاطات المثقفين العرب وأمسياتهم في الجزائر، غير أن الجماعة المنظمة للنشاط فوجئت بتقرير رفعه زعيم حزب الإنقاذ المنحل عباسي مدني يحتج فيه عن دعوة مسيحي إلى الجزائر وبرمجة نشاط له، وهذا لأن الجماعة المكلفة بالنشاط الثقافي اعتذرت بطريقة لبقة لعباسي مدني عن تأجيل محاضرة له كانت مبرمجة بنفس التوقيت والتاريخ ونفس المكان وكانت تتحدث عن “التربية الإسلامية في الجزائر” بعد أن اكتشفت مجموعة المثقفين المكلفين بالنشاط أن المحاضرة فيها السياسة أكثر مما فيها التربية والثقافة.
-
والمثير في رسالة عباسي إلى الوزير أنها جاءت اتهاما صريحا “لكاتب ياسين” بوصفه موظفا بوزارة التعليم العالي يعمل على إقصاء أبناء الجزائر في مقابل تشجيع الأجانب، فاستدعى الوزيرُ الراحلَ مصطفى كاتب فشرح الأمر للوزير، فما كان من الوزير إلا تجاهل القضية عندما أدرك أن عباسي مدني لا يفرق بين مصطفى كاتب وكاتب ياسين.
-
غالي شكري كانت له أيضا مواقف في فسنطينه التي زارها لإلقاء محاضرة هناك، لكن استقبال مدينة الصخر العتيق للمفكر في 1974 لم تمر مرور الكرام، إذ عملت جماعة عبد الله جاب الله التي كانت يومها تتخذ من المدينة قاعدة خلفية لنشاطها السياسي والثقافي على عرقلت المحاضرة وحاصرتها حتى ألغيت فاضطرت هيئة التنظيم إلى نقل المحاضرة إلى قاعة الكابري بالعاصمة والمركز الثقافي الاسلامى علي منجلي اضافة إلى اتحاد الكتاب.
-
“وليمة” حيدر حيدر تسبب أزمة سياسية في مصر
-
كان الروائي السوري حيدر حيدر الاستثناء الذي أرخ لمروره من مدينة بونة الساحلية برواية أحدثت جدلا كبيرا في الوسط الأدبي، وهي روايته الشهيرة “وليمة لأعشاب البحر” التي حاربها العديد من النقاد ورجال الدين ومنعت تقريبا في كل الدول العربية وأحدثت أزمة سياسية في مصر.
-
حيث أقدمت جريدة “الشعب” المصرية على شن حملة على وزارة الثقافة المصرية التي سمحت بطبع وتوزيع الرواية التي اتهمها الأزهر بسب الذات الالاهية والتطاول على الأنبياء، مما أدى إلى تكفير الروائي فصدر قرار منع الجريدة من الصدور في 20 ماي 2000، عقب مظاهرات دامية في جامعة الأزهر، مما دفع بالجريدة إلى الطعن في قرار الإغلاق وحصلت على 14 حكما قضائيا بإعادتها للصدور، لكن لجنة شؤون الأحزاب التي يرأسها صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى، والأمين العام للحزب “الوطني” الحاكم سابقا رفضت تنفيذ أيا منها، دون أي تبرير، وهذا بعد أن أقدمت عام 2000 هيئة الثقافة الجماهيرية في مصر على إصدار طبعة شعبية من رواية “وليمة لأعشاب البحر” مما دفع السلفيين إلى الاحتجاج عليها وقامت تظاهرات صاخبة في جامعة الأزهر، وانتقلت الأزمة إلى البرلمان المصري فانقسم الشارع الثقافي في مصر والعالم العربي بين مؤيد ومعارض لما عرف بأزمة “وليمة لأعشاب البحر” التي قادتها التيارات الدينية ضد الليبراليين، وقد وصف يومها موقف الحكومة المصرية التي قررت سحب الرواية وغلق جريدة الشعب بانتصار السلفية، خاصة أن المعركة التي كان ظاهرها أدبيا كانت في جوهرها معركة سياسية.
-
“وليمة لأعشاب البحر” التي أحدثت كل تلك الضجة كتب فصولها حيدر حيدر عندما جاء إلى الجزائر لينضم إلى سلك المدرسين للغة العربية ضمن حملة التعريب التي شهدتها البلاد بعد الاستقلال، كتب روايته ببونة أو عنابة وصدرت الطبعة الأولى من الرواية عام 1982 في بيروت ومرت بشكل عادي جدا، لكن إقدام هيئة قصور الثقافة في مصر على إصدار طبعة شعبية من الرواية في مصر عام 2000 قلب الدنيا عليها، وهي الرواية التي تناول فيها حيدر حيدر عبر شخصية “مهيار الباهيلي وفله العنابية” انحراف مسار الثورة عن خطها الحقيقي وانتقد سلوكيات سياسية معينة.
-
عاش حيدر حيدر لفترة في عنابه وأحبها كثيرا، خاصة البحر وشواطئ بونة، يروى عنه الشاعر عبد الحميد شكيل الذي صادقه لفترة عندما كان معلما بعنابه فيقول “كان حيدر حيدر يكره الضجيج، يحب البحر والهدوء والتواضع دائما، يحمل حقيبته الجلدية البينية ويعتزل الناس، كان كثير الخجل ولا يحب الحديث كثيرا عن نفسه وصداقاته محدودة، كان يحب تأمل أفق البحر وهو يتجول في سواحل بونة ومقاهيها وساحة السلاح التي كتب بها الرواية، ما زلت أتذكره وهو يتأبط محفظته الجلدية بنية اللون وهو ينزل إلى المدينة، كان قليل الكلام وقليل الصداقات أيضا”
-
تألم كثيرا لما جرى في الجزائر إبان الأزمة الدموية كبلد “عاش خضم تجربة ثورية، عبر مخاض منكسر، تقاطع فيه الأمل مع الخيبة، والنهوض مع السقوط، والحرية مع الاستبداد، والموت مع الحياة، وقد تحدث حيدر حيدر عن فترة تواجده بالجزائر وكتب عنها يقول “سنوات الجزائر كانت سنوات المكابدة والغربة الداخلية. الجزائري قاسٍ وطفل في آن، من الصعب تشييد علاقة معه، لأنه حذر وشكّاك بالآخر غير الجزائري. سنوات الحرب القاسية حوّلت قلبه إلى صخر كتيم، لكن روحه العميقة احتفظت ببراءتها الطفولية، العنف الإفريقي عبر الإنسان الجزائري هو عنف الدفاع عن الذات المهدّدة من الخارج.” تلك التجربة العاصفة العذبة كفجر الحب، والُمرة كطعم الحنظل، ملأتني بعوالم ساحرة وشيطانية، مفعمة بالغرابة والدهشة، شبيههة باكتشاف قارّة مجهولة.
-
هذه العوالم والآفاق السحرية، مع المرارة الراسية في الأعماق والعنف والبراءة والحب والموت والاستشهاد، ستظهر في رواية “وليمة لأعشاب البحر” بعد أكثر من اثني عشر عاما. الرواية، المطهر، للأزمنة الصعبة، الجارحة، والملحمية. أزمنة العربي في قلب الحرائق والاضطراب وطيوف الموت.
-
الجواهري: رفض مغادرة سيرايدي ومزيان رفض نشر دواوينه
-
زار الجواهري الجزائر حسب شهادة الأستاذ أحمد حمدي ضمن وفد اتحاد الكتاب العرب الذي عقد مؤتمره العاشر بالجزائر في عام 1974 ومهرجان الشعر في طبعته السادسة، فأخذ بجمال الجزائر وطبيعتها الساحرة، تجول بها شرقا وغربا حيث نظمت له أمسيات شعرية بكل من تيزي وزو والعاصمة ووهران وعنابه التي أسرته حيث يذكر الأستاذ حمدي أن الجواهري أسرته عنابه لحد لا يوصف، خاصة منطقة اسيرايدي حيث أبى مغادرتها بعد أن أسر بجمالها على إثر الرحلة السياحية التي نظمت للوفد الذي زار الشرق الجزائري، وصادف يومها أن كان على رأس ولاية عنابه سيد علي غزالي وهو من خريجي جامعة بغداد، ويقدر كثيرا المثقفين العراقيين وخاصة الجواهري، فاستضافه بسيرايدي أسبوعا إضافيا تجول خلالها الشاعر بمختلف المناطق السياحية للولاية وتوقف عند معالمها.
-
الشاعر العراقي الذي زار الجزائر كانت له أيضا لقاءات مع الشعراء والأدباء الجزائريين، كان من بينهم عبد العالي رزاقي الذي يروي وقائع الجلسة التي جمعت الجواهري بوزير الثقافة الأسبق عبد المجيد مزيان، حيث يقول إن الجو اهرى سبق أن طبع ديوانا من 4 أجزاء في بيروت، لكنه لم يتلق مقابل هذا الكتاب، فاقترح عليه مصطفى كاتب أن تعيد الجزائر طبع الديوان فوافق الشاعر الذي رافق مصطفى كاتب إلى مقر وزارة الثقافة فاستقبله الوزير عبد المجيد مزيان وشرح له الشاعر ظروفه المعيشية وطلب بإعادة طبع ديوانه في الجزائر.
-
لكن المفارقة أن الوزير الذي كان ربما يدرك أن الشاعر قد يتعب كثيرا في الركض وراء حقوق ديوانه في الجزائر في حالة طبعه، وحتى يجنب الشاعر حرج هذا الموقف المحتمل ويدفع عن نفسه أيضا الحرج ويرفع اللوم، قال له انه هو أيضا سبق أن طبع كتابا في بيروت وما زال ينتظر تلقي حقوقه، وهكذا اعتذر الوزير بطريقة لبقة وغير مباشرة عن إصدار ديوان الشاعر في الجزائر.
-
محمد مهدي الجواهري المعروف عنه أن له عدة نصوص ووثائق غير منشورة قدرها رئيس مركز الجواهري في براغ بـ 4 آلاف وثيقة تتناول الإخوانيات ومختلف فنون الشعر وضروبه، يروي عنه احد المثقفين الجزائريين انه سبق أن قرأ بعضا منها في جلساته الحميمة بفندق السفير بحضور أساتذة من كلية الطب والآداب وشعراء، وكانت تلك القصائد -حسب شهادة هذا المثقف- تتعلق بالغلمانيات وشبيهة ببعض قصائد أبو نواس. ورغم أن الجواهري زار الجزائر أكثر من مرة لكن لم تسجل معه حوارات لا إذاعية ولا تلفزيونية لأسباب تبقى مجهولة .