-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البروفيسور بداري… حين يصبح التسيير ورشة مفتوحة لإصلاح الجامعة!

حوري يوسف*
  • 123
  • 0
البروفيسور بداري… حين يصبح التسيير ورشة مفتوحة لإصلاح الجامعة!
ح. م
كمال بداري.

ليس من باب المجاملة أن نقول للمحسن أحسنت، ففي الحياة المؤسساتية، من حق المسؤول الذي يغيّر طريقة العمل، ويُدخل أدوات جديدة في التسيير، ويضع الخدمة العمومية أمام معايير أكثر صرامة، أن يُقيَّم عمله بموضوعية، كما تُسجَّل عليه النقائص حين توجد.

وفي قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، يبرز منذ تولي كمال بداري مسؤولية الوزارة توجه يقوم، قبل كل شيء، على تحويل الإصلاح من خطاب عام إلى ممارسة يومية.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في طريقة عمل الوزير، الحضور المكثف في الميدان. فالرجل، وفق ما يظهر من وتيرة نشاطه اليومية، يبدأ عمله منذ الساعات الأولى للصباح، ويواصل الاجتماعات والمتابعة إلى ساعات متأخرة من الليل، ولا يكتفي بالعمل المكتبي، بل ينتقل إلى الجامعات والإقامات والمنشآت التابعة للقطاع، أحيانًا في زيارات مفاجئة، وأحيانًا ضمن برامج ميدانية محددة.

وقد يبدو هذا التفصيل شكليًا لو كان منفصلًا عن النتائج؛ لكنه يصبح ذا معنى عندما يرتبط بفلسفة في التسيير تقوم على المعاينة المباشرة بدل الاكتفاء بالتقارير، وعلى محاولة معرفة واقع المؤسسة الجامعية من داخلها، لا من خلال ما يصل إلى الإدارة المركزية فقط.

من الطالب كـ”رقم” إلى الطالب كـ”مسار متكامل”

ربما تكون إحدى أهم التحولات التي تستحق التوقف عندها هي التعامل مع الطالب باعتباره صاحب مسار جامعي متكامل، يبدأ من التسجيل ولا ينتهي إلا بالتخرج.
فالعدالة والشفافية في المسار الجامعي لا تعنيان فقط تنظيم عملية التسجيل، وإنما تعنيان أن تكون القرارات المرتبطة بالطالب قابلة للفهم والتتبع، وأن تقل مساحة التدخل البشري غير الضروري، وأن تعتمد الخدمات على الرقمنة وقواعد بيانات وإجراءات موحدة قدر الإمكان.

ومن التسجيل والتوجيه والإيواء والمنحة والإطعام، إلى التحويلات والمسابقات والخدمات البيداغوجية والإدارية، يتجه الإصلاح نحو بناء منظومة تجعل الطالب يتعامل مع الإدارة عبر مسارات أكثر وضوحًا وأقل اعتمادًا على العلاقات الشخصية.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية العدالة الإجرائية: ليس المطلوب أن يحصل الطالب على امتياز، وإنما أن يعرف أن له الحقوق نفسها التي يتمتع بها غيره، وأن القواعد نفسها تطبق على الجميع.

الرقمنة… تحويل التكنولوجيا إلى أداة للعدالة

الرقمنة في الجامعة لا ينبغي أن تُقاس بعدد المنصات الإلكترونية فقط. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تقلل الطوابير، وتختصر الوقت، وتحد من التدخلات البشرية، وتتيح تتبع العمليات، وتوفر للطالب المعلومة في الوقت المناسب.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي تحول رقمي: هل جعل حياة الطالب أسهل وأكثر شفافية؟ وهل جعل الإدارة أكثر قابلية للمتابعة والمساءلة؟

في هذا الجانب، اتجه قطاع التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع استعمال المنصات والخدمات الرقمية في مختلف مراحل المسار الجامعي، وهو تحول يتجاوز الجانب التقني إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الطالب والإدارة.

من الإدارة المركزية إلى الحضور في الميدان

الزيارات الميدانية المفاجئة تحمل بدورها رسالة إدارية واضحة: المؤسسة الجامعية ليست مجرد أرقام وتقارير تصل إلى الوزارة، بل فضاء حقيقي يعيش فيه الطالب والأستاذ والعامل يوميًا.

فعندما ينزل المسؤول الاول عن القطاع إلى الميدان، يصبح بإمكانه معاينة ظروف الإطعام، والإقامة، والنقل، والهياكل البيداغوجية، والخدمات المختلفة، والاستماع مباشرة إلى الطلبة والعمال والأساتذة.

ولا يعني ذلك أن الزيارة الميدانية وحدها تكفي للحكم على مؤسسة أو إصلاح قطاع بأكمله؛ لكن انتظامها وتحويلها إلى أداة متابعة يمكن أن يساهم في تقليص المسافة بين القرار المركزي والواقع الجامعي.

الطالب… من مستفيد من الخدمة إلى عنصر في الدورة الاقتصادية

ومن الأفكار التي تستحق التوقف عندها كذلك، عدم حصر دور الجامعة في منح الشهادة.

فالجامعة الحديثة مطالبة بتكوين الطالب، ولكن أيضًا بتهيئته للاندماج في الاقتصاد، وربط المعرفة بسوق العمل، وتشجيع الابتكار والمقاولاتية، وتحويل البحث العلمي من إنتاج أكاديمي محدود الأثر إلى قيمة مضافة يمكن أن تجد طريقها إلى المؤسسة الاقتصادية.

ومن هنا تبرز أهمية توجه قطاع التعليم العالي نحو إدماج الطالب في الدورة الاقتصادية، من خلال دعم المقاولاتية والابتكار وربط الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية، بحيث لا تكون الشهادة نهاية المسار، بل بداية لمسار مهني وإنتاجي.

وهذه النقطة تحديدًا هي التي يمكن أن تجعل الإصلاح الجامعي ذا أثر يتجاوز أسوار الجامعة، لأن الاستثمار الحقيقي في الطالب لا يكتمل بمجرد نجاحه في الامتحان، وإنما عندما يصبح قادرًا على إنتاج المعرفة والقيمة وفرص العمل.

الاقتصاد في التسيير… الإصلاح لا يعني دائمًا إنفاقًا أكبر

الإصلاح الإداري الحقيقي لا يقاس فقط بما يُنفق عليه، بل كذلك بما يمكن توفيره من موارد دون المساس بجودة الخدمة.

وتُظهر الأرقام التي أعلن عنها القطاع بشأن نفقات الإطعام الجامعي، مثلًا، إمكانية تحقيق وفورات معتبرة عبر الرقمنة وتحسين التسيير وإعادة تنظيم عمليات التموين والتعاقد، حتى في سياق ارتفاع عدد الطلبة وارتفاع الأسعار.

وهنا تصبح الرقمنة وسيلة للحوكمة، وليس مجرد واجهة إلكترونية.

*أستاذ جامعي

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!