-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البطن قبل العقل أحيانا!

البطن قبل العقل أحيانا!

عندما حاول العالم والفيلسوف والطبيب اليوناني “أبقراط”، تصحيح مفهوم الهدف من الحياة، بالقول إن الإنسان يأكل ليعيش، ولا يعيش ليأكل، وحاول تحجيم أهمية الأكل في حياة الإنسان، وجد انتقادا من فلاسفة عصره في الزمن اليوناني الكلاسيكي قبل ميلاد المسيح عيسى عليه السلام، ومن الذين جاؤوا من بعده، فأعادوا للأكل قيمته، وجعلوه جزءا من الحياة، يدخل في عالم الاقتصاد والثقافة والعلوم وحتى في السياسة، فصارت بعض الأمم تُعرَف بأطباقها من “البيتزا” الإيطالية، إلى “الهامبرغر” الأمريكية…

خلال مباراة الدور نصف النهائي من كأس العالم الأخيرة، شاهد العالم ذاك المناصرَ الفرنسي المتبختر بانتزاع منتخب بلاده بطاقة الوصول إلى الدور النهائي، وهو يحمل “باغيتة” من الخبز الفرنسي، ويلتهمها أمام الكاميرات، تماما كما حمل آخرون علم البلاد، وهذا بعد أيام قليلة من حصول فرنسا على اعتراف اليونيسكو بخبزها الخاص.

ما حقّقته الأطباق الجزائرية في سنة 2022 بالحصول على الريادة على المستوى العربي قبل الوصيف سوريا، والريادة على المستوى الإفريقي قبل الوصيف إفريقيا الجنوبية، هو انتصارٌ كبير ومهمّ، لا يقلّ أهمية عن تحقيق انتصارات ثقافية ورياضية عالمية، فقد جاءت الأطباق الجزائرية في المركز الثالث على مستوى الدول الإسلامية، بعد أطباق تركيا وإيران، ورفعت الراية العربية والإفريقية في مطاولة أشهر بلاد العالم التي تقدِّم ثقافتها وعراقتها وثراء جغرافيتها وتاريخها عبر أطباق متنوعة، رغم أن الجزائر مازالت بعيدة عن التنافس في الميدان السياحي، مقارنة بأصحاب المراكز الأولى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

تابعنا في بداية الألفية الجديدة حوارا تلفزيونيا مشرقيا مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، وشاء مُحاوِرها أن يسألها عن أشهى طبق تناولته في حياتها، فردّت بعفوية، بأن ذلك حدث في مدينة قسنطينة بالجزائر، ثم ابتسمت وقالت: “آه نسيتُ اسمه”، وطبعا لا أحد في الجزائر همّه الأمر وقدّم توضيحا وشرحا عن هذا الطبق الذي لا نعلمه لأن الفنانة تناولت بالتأكيد العديد من الأطباق، على أمل أن تكون نظرة الجزائريين لهذا “التراث الغذائي” مختلفة عن الماضي، بعد أن لاحظنا في الفترة الأخيرة “معارك طعام” في اليونيسكو انتهت بفوز فرنسا بـ”باغيتة الخبز” وتونس بـ”الهريسة”، ونحن نعلم والمختصون العالميون أكدوا بأن ما رمته الحضارات المتعاقبة والثقافات المختلفة في القِدر الجزائري هو في حد ذاته أعجوبة من أعاجيب الدنيا.

لقد حاولت بعض العقول المريضة، تتفيه ريادة المطبخ الجزائري على المستوى القاري والعربي، وأدخلت الحكاية في صراع البطون والعقول، والأمر يختلف تماما، فقد سيطرت فرنسا على السياحة العالمية بمطبخها، وسيطرت الصين على المشهد الاقتصادي بأمنها الغذائي، وحققت قنواتُ الطبخ الإيطالية فتوحاتٍ إعلامية لم تحقِّقها بقية القنوات، وصارت ملفاتُ الأطباق الغذائية هي الطاغية في أروقة مقر اليونيسكو، وفي معارك البطون، التي صارت أهمّ من العقول أحيانا، والمقصود هنا العقول المريضة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!