البطولات الوهمية
وصف الكثيرون من متابعي خرجة فريق مولودية الجزائر في بطولة رابطة أبطال إفريقيا عندما تعادل على أرضه أمام الممثل التونسي بالبطولية والشجاعة، على اعتبار أن الفريق لعب بشبه مدرب وشبه لاعبين وشبه تحضير صنعوا من خلاله شبه فريق في أقوى المنافسات القارية
-
وللأسف قليلون من وصفوا هذه الخرجة بوصفها الحقيقي، وهو الجريمة التي من المفروض أن يُقدّم مرتكبوها إلى المحاكمة لأن الإصراروالترصّد توفرّا فيها وأبان مستوى الإهمال والتسيّب وتبذير المال العام أمام الملأ، وفي الرياضة الأكثر شعبية، فما بالك في قطاعات اقتصادية وعلمية وسياسية تُدار في السر والكتمان.
-
المولودية التي أنفقت الموسم الماضي قرابة الخمسين مليارا لأجل أن تفوز باللقب المحلي، وأنفقت هذا الموسم ما يوازيها لأجل بلوغ دور المجموعات المؤهل للمربع الذهبي في رحلة التاج الإفريقي الذي سبق للمولودية أن فازت به ولم يمر على استقلال الجزائر إلا ثلاثة عشرة سنة، والذي يسمح لها بالحصول على قرابة مليوني دولار، والمشاركة في كأس العالم للأندية في طوكيو، وأنفق عشرات الآلاف من مناصريها المال والوقت والأعصاب، ليصدم النادي الجميع بما في ذلك منافسيه المنتمين لدول الشمال العربية عندما لعب من دون احتياطيين وبلاعبين مكانهم على الهامش أو في المصحات ومن دون مدرب في فضيحة كروية لم نشاهدها حتى لدى المئات من الفرق الإفريقية التي زارت الجزائر على مدار نصف قرن من الفقر والضياع الإفريقي، فأين هي البطولة والمروءة التي عنها تتحدثون؟
-
مشكلتنا أننا نسمي الأشياء بغير مسمياتها فنهزم أنفسنا قبل أن يهزمنا منافسنا، وعندما ننتصر أو نتعادل نَصِف أنفسنا بالأبطال ونَصِف انتصاراتنا العادية بالملاحم، فوزارة الفلاحة عندما حققت في الموسمين الماضيين اكتفاء ذاتيا في بعض أنواع القمح أسمت ما تحقق بالمعجزة في بلد مساحته قارة ومناخه كل القارات ومياهه محيطات، وكان الأجدر أن يأكل العالم من قمحنا ولا نسمي ذلك بالمعجزة، ووزارة التربية عندما حققت في الموسمين الماضيين نتائج بكالوريا معجونة بالإضرابات وبالدروس الخصوصية وبحشو الجامعات بأمة طلابية قائمة بذاتها أسمت ما تحقق بالوثبة العلمية والتكنولوجية التاريخية في بلد عاجز عن منحنا عالم واحد نتباهى به بين الأمم، ووزارة السكن وهي تُنجز بُنيانا غير مرصوص لا يشدّ بعضه بعضا في رحلة مليونية ذات أبعاد انتخابية وليس تنموية ولا اجتماعية أسمت ما تحقق من مدن جديدة كان أساسها أموال النفط الطائلة بالطفرة غير المسبوقة في بلد كان من المفروض أن يكون لكل مواطن فيه قصرا وليس بيتا أوهن من بيت العنكبوت لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
-
تعاملنا مع الحياة بمازوشية انتحارية تجعلنا في كل مرة ندفن أنفسنا بالحياة ونطلب بعد ذلك النجاة هو الذي ورّطنا في الفقر في أغنى بلاد الدنيا والشقاء في أسعد الظروف التي يمكنها أن تتوفر لأي أمة. ونعود من حيث بدأنا فنادي مولودية الجزائر الذي فاز بأقوى بطولة قارية في شتاء 1975 ولم يكن لاعبوه يمتلكون أكثر من “زوج أحذية رثة” كان من المفروض وهو المُموّل من شركة سوناطراك ويمثل الجزائر أن يكون جاهزا ليس للمنافسة فقط وإنما للتفوق على فرق من المغرب وتونس ومصر شاهد بأم عينه كيف كانت جاهزة .. لكن ماذا نقول وفي كل مجالات حياتنا ”مولودية” تصوّر لنا قمة الإهمال والتسيّب.