التدخّل الروسيّ “المقدّس” يفضح “حلف الممانعة”
هذا العنوان، لا شكّ أنّه لن يعجب سدنةَ المشروع الإيرانيّ في الجزائر، ممّن نذروا أنفسهم لخدمة وتسويق هذا المشروع الطائفيّ البغيض، متدثّرين بدثار “الوحدة الإسلاميّة”، متذرّعين بذرائع “المقاومة والممانعة”؛ من هواة الانتقائية في تحليل الأحداث، وغضّ الطّرف عن كلّ ما من شأنه أن يُسقط الأقنعة عن حقيقة التّناغم الحاصل بين هذا المشروع من جهة، وبين المشروع الصّهيو صليبيّ من جهة أخرى، في كثير من القضايا والوقائع.
هو تناغمٌ يجتهد بعض الكتّاب والإعلاميين الذين أشربوا في قلوبهم العجل الإيرانيّ في تبريره بشقشقات لا تسعفها أحداث الواقع، ويذهب بعضهم بعيدا إلى اتّهام كلّ من يتصدّى لكشف حيثيات هذا التّناغم، بالعمالة للمشروع الصّهيو صليبيّ؛ هذه التّهمة التي احترفها الإعلام الإيرانيّ والإعلام السّائر في فلكه، في إطار ثنائية “مزدكية” تنصّ على أنّ “من لم يكن مع إيران فهو بالضّرورة في صفّ الصّهاينة”.
لقد جعلت الثنائية الإيرانية بعض الكتّاب والإعلاميين يرتضون نوعا من العبودية الفكرية لما يضخّه الإعلام الطّائفيّ المتستّر خلف ستار الممانعة والمقاومة، وأدّت بهم إلى ممارسة نوع من الظّاهرية العصريّة في تحليل الأحداث، ظاهرية تلزم صاحبها أن يبقى حبيسا للتّصريحات الإعلامية التي لا أثر لها في الواقع، ولا تسمح له بأن يحاكم الأقوال إلى الأفعال، ولا أن يأخذ في الحسبان الوقائع الكثيرة التي تنقض النّتائج الجاهزة التي يسعى لإثباتها.
ربّما لن نكون في حاجة للوقوف مطولا عند احتفاء أقطاب “محور الممانعة”، بالتدخّل الرّوسيّ في سوريا، واعتبارِه تدخّلا مشروعا وفي صالح قضية الأمّة العربيّة والإسلاميّة، إلى الحدّ الذي جعل خطيب بشّار يصرخ من على منبر المسجد الأمويّ في دمشق قائلا: “نعاهد الله على أن نموت دفاعا عن روسيا وقائدها الفذّ بوتين!”، وربّما لن نكون أيضا في حاجة للتّذكير بتباهي موسكو بمباركة الكنيسة الأرثوذوكسية لتدخّلها في سوريا، ودعمها الكامل لما أسمته “الحرب المقدّسة لحماية رعايا الصليب”؛ ولكنّ الذي يعنينا في هذا المقام هو الحديث عن اتّفاق كلمة وموقف الكيان الصّهيونيّ مع موقف “محور الممانعة”، على مباركة ودعم التدخّل الرّوسيّ في سوريا.
”سلاحَا الجو الروسي والإسرائيلي يبدأان تدريبات لضمان أمن الطيران فوق سوريا”، هو أحد العناوين البارزة على موقع قناة “روسيا اليوم” بتاريخ الـ15 من شهر أكتوبر الجاري؛ يتحدّث في تفاصيله عن تصريحات للنّاطق الرّسميّ باسم وزارة الدّفاع الرّوسيّة، يؤكّد فيها إطلاقَ “خط ساخن” بين مركز إدارة الطيران في قاعدة حميميم الجوية السورية ومركز القيادة لسلاح الجو الإسرائيلي..
هذا الخبر كانت قد سبقته أخبارٌ كثيرة تؤكّد وجود تنسيق على أعلى المستويات بين الجانبين الرّوسيّ والإسرائيليّ؛ فقد وصل إلى تل أبيب في الـ6 من أكتوبر الجاري نائب رئيس أركان الجيش الروسي “نيكالو بكدونبسكي” على رأس وفد روسيّ، لحضور اجتماع مشترك مع رئيس أركان الجيش الصّهيونيّ “يائير جولان”، وعدد من كبار الضبّاط في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، لبحث عددٍ من القضايا العسكرية والاستخباراتية، يأتي على رأسها تنسيق العمليات ضد قوى المعارضة السورية المسلحة.
قبلها بأسبوعين، وعلى بُعد أيام قليلة من الإعلان عن بدء العمليات العسكرية الروسية في سوريا، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارة رسمية للعاصمة الروسية موسكو، لمناقشة جملة ملفات على رأسها الملف السوري.
هذه اللّقاءات كانت موضع حديث وتحليل لعددٍ من القنوات والمواقع الإسرائيليّة الرّسمية وغير الرّسميّة، من ذلك ما نشره موقع “واللا” الصهيوني بتاريخ 20 سبتمبر 2015 مشيرا إلى أنّ الجيشين الإسرائيلي والروسي يتفقان على تشكيل هيئة لتنسيق تحركاتهما في سوريا، وقد بارك الإعلام الصهيوني هذا التنسيق الحاصل بين الجيش الإسرائيلي من جهة وبين الحليف الاستراتيجي لـ “محور الممانعة” من جهة أخرى، وذهب إلى حدّ القول بأنّ “تدخل روسيا في سوريا يخدم مصالح إسرائيل الحيوية” (الصحفيّة الصهيونية اليمينية “كارولين كليغ”، معاريف، 19 سبتمبر 2015).
لعلّنا لن نكون بعد كلّ هذا الوضوح، في حاجة إلى مزيدٍ من الأدلّة على تلاقي المصالح الصّهيونيّة مع مصلحة محور الممانعة في التدخّل الرّوسيّ، لحسم المعركة لصالح النّظام السّوريّ الممانع؛ ولو أدّى ذلك إلى حصول تنسيق عسكريّ وبوساطة روسية، ليس فقط بين قيادات المليشيات التّابعة لإيران من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى، وإنّما أيضا ـ وبتنسيق روسيّ دائما ـ بين إسرائيل وبين الحرس الثّوريّ الإيرانيّ الذي يوجد على الأرض السّورية أكثر من 1700 عنصر من عناصر نخبته في وحدة “الصّابرين” وحدها، باعتراف وكالة “سحام نيوز” الإيرانيّة!.
إسرائيل والدكتاتور العربي الأكثر تفضيلا
هذا الموقف الذي أبداه الكيان الصهيوني ليس موقفا مستجِدّا فرضته الأحداث المتلاحقة، وإنّما هو موقفٌ مبدئيّ لم يتغيّر ولم يتزحزح منذ الوهلة الأولى للثورة السّورية، حيث حظي “نظام الممانعة” بـ “فيتو” إسرائيليّ حاسم، منذ بدء الحديث عن إسقاط نظام بشّار، جعل الولايات المتحدة الأمريكيّة تقدّم رجْلا وتؤخر أخرى في حديثها عن ضرورة رحيل الأسد؛ فيتو أكّدته تصريحات عدد من القيادات السياسية والعسكرية للكيان الغاصب، أبرزها ما صرح به رئيس الهيئة الأمنية والسياسية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، الجنرال “عاموس جلعاد” عبر أثير إذاعة الجيش الإسرائيلي “جالي تساهال”، بتاريخ: 17 نوفمبر 2011، حيث قال: “إسرائيل ستواجه كارثة وستصبح مهدّدة دائمًا بالحرب مع الإخوان المسلمين في مصر وسوريا والأردن، إذا نجحت الثورة السورية الجارية منذ أسابيع متواصلة في الإطاحة بنظام بشار الأسد، الذي يمثل وجودُه مصلحة لإسرائيل”. وقبله كانت صحيفة “هآرتس” قد أماطت اللثام عن الرغبة الإسرائيلية الجامحة في الحفاظ على “نظام المانعة”، حيث نشرت بتاريخ 29 مارس 2011 تقريرا تحت عنوان “الديكتاتور العربيّ الأكثر تفضيلاً لدى إسرائيل على الإطلاق هو الأسد”، كان ممّا جاء فيه: “من المدهش أنّ اليهود يُصلّون سراً من أجل أن ينجو نظام الأسد في سوريا”، وأضاف التّقرير “إنّ كلّ المنافقين العرب واليهود متّحدون على هذا الدّعاء وكأنّ الأسد مَلِكُ إسرائيل، علماً أنّ الشّعار الأجوف الفارغ الذي حمله الأسدُ الأب والابن حول “المقاومة” ما هو إلا ورقة تأمين لبقاء النّظام فقط، فالحكومة السّورية -الممانِعة- لم تُصدر حتى صوتاً مزعجاً في الجولان، بينما كانت مستعدّة لقتال إسرائيل حتى آخر لبناني، وإن لم تنفع هذه الخدعة فحتّى آخر فلسطيني ولِمَ لا؟!”.
كانت صحيفة “هآرتس” قد أماطت اللّثام عن الرّغبة الإسرائيليّة الجامحة في الحفاظ على “نظام المانعة”، حيث نشرت بتاريخ 29 مارس 2011 تقريرا تحت عنوان “الديكتاتور العربيّ الأكثر تفضيلاً لدى إسرائيل على الإطلاق هو الأسد”، كان ممّا جاء فيه: “من المدهش أنّ اليهود يُصلّون سراً من أجل أن ينجو نظام الأسد في سوريا”.
هذه التصريحات وغيرها، كانت وستظلّ خارج نطاق تغطية أجهزة الاستقبال المبرمَجة عند المنافحين عن المشروع الإيرانيّ الطّائفيّ على تردّدات ثابتة، تبرّر لهم مماطلة المجتمع الدّوليّ في اتّخاذ قرار يُوقف همجية النّظام السّوريّ، بالـ”فيتو الرّوسيّ”، وهذا التّبرير مِن السّطحية بمكان، لأنّ وقائع التّاريخ القريب أثبتت بأنّ أمريكا وحلفاءها لا يقيمون أيّ وزن لمثل هذا الفيتو الرّوسيّ، وأنّ الذي يقف خلف تحرّكات الدّول الكبرى إنّما هو الرّغبة الإسرائيلية.
إسرائيل لا تريد أن تغامر بخسارة نظام كان نِعم الجار لها على جبهة الجولان، فخلال أكثر من 40 سنة من حكم حافظ الأسد وابنه بشار، كانت الحدود بين سوريا وإسرائيل هادئة تماماً، بل قد كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق الأجواء السّورية وتحلّق فوق قصر الرّئيس “الممانِع”، ويكون الجواب في كل مرّة بأنّ سوريا “سوف تردّ في الوقت المناسب”؟!.
التدخّل الرّوسيّ لرفع الحرج الأمريكيّ
بعض المتحمّسين للتّصريحات الكلاميّة للإعلام الإيرانيّ، يروّجون لدعوى مفادها أنّ التدخّل الرّوسيّ جاء بعد فشل التدخّل الأمريكيّ الذي كان ضدّ محور الممانعة، ونسي هؤلاء كيف كانت طائرات التّحالف الذي قادته أمريكا تمرّ فوق رؤوس عناصر الجيش الأسديّ ومليشيات حزب الله وأكثر من 40 مليشيا إيرانية أخرى، لتقصف الجماعات المناوئة لها، ونسوا أيضا أنّ لقاء بوتين ـ نتنياهو في موسكو، أعقبه بمدّة لم تتجاوز 5 أيام لقاءٌ بين وزير الخارجية الإيرانيّ ووزير الخارجية الأمريكيّ، وربّما غاب عن أذهانهم أن أيّ تدخل روسي لا يمكن أن يتم في ظل وجود قوات التحالف الذي تقوده أمريكا إلا بتنسيق مباشر بين الطرفين، كل ما في الأمر أن أمريكا أرادت أن تتملّص من التزاماتها مع محور الاعتلال العربيّ، فسلّمت الرّاية للروس، الذين سيكونون أقدر على تجييش “محور الممانعة” في هذه المعركة المصيرية.