التهاب مرتقب في الأسعار بـ 20 بالمائة
قررت الحكومة بالتعاون مع البنك المركزي تخفيض قيمة الدينار الجزائري بطريقة مفاجئة وبمستويات غير مسبوقة ناهزت 20٪ مرة واحدة من طرف واحد وبدون استشارة الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين.
ويعتبر التخفيض الإداري للعملة من أدوات السياسة النقدية للتأثير على فاتورة الواردات بشكل مباشر، حيث يصبح فعل الاستيراد مكلفا جدا لجميع الفاعلين، وأيضا من أقصر الطرق التي تلجأ إليها الحكومات إما للحد المباشر من الارتفاع غير المتحكم فيه أو غير المرغوب لفاتورة الواردات. كما يلجأ إليه أيضا في حالات مثل الحالة الجزائرية للحد من تفاقم العجز ولو بطريقة مفتعلة حيث يصبح التلاعب بسعر عملة التصدير من الطرق المفتعلة للحد من العجز المتفاقم من عام إلى آخر نتيجة التوسع اللامنتهي للإنفاق العمومي.
وبالنتيجة، لما يقرر بنك الجزائر تخفيض قيمة العملة الوطنية بحوالي 20 % في ظرف 9 أشهر(98 دج للأورو بداية العام مقابل 117 دج للأورو السبت الماضي) فهذا من الخطورة بمكان على القدرة الشرائية للأسر الجزائرية وخاصة الفئات المهشمة وخاصة أن القدرة الشرائية تعرضت منذ عام 2011 لضربات موجعة متتالية حيث بلغ مستوى التضخم حدا قياسيا عند 9 % قبل أن يأخذ منحى تراجع إلى حوالي 5.5 % في المتوسط حاليا، ثم إن معدل زيادة الأجور في البلاد لم يتجاوز 8 % العام الماضي في المتوسط بين القطاعين العام والخاص بغض النظر عن التفاوت الصارخ والفوارق البارزة بين أجور العاملين في القطاع الحكومي والقطاع الخاص، مما يعني أن تخفيض قيمة العملة مقابل العملات الرئيسية أو تصحيح قيمتها الحقيقية بحوالي 20 % سيكون له آثار مدمرة لما تبقى من القدرة الشرائية للجزائريين على الرغم من بلوغ احتياطات البلاد من النقد الأجنبي 189 مليار دولار حسب أرقام البنك المركزي الذي تحدث عن احتياطات ذهب أيضا في حدود 173.2 طن.
وستكون المصيبة أعظم إذا كان التخفيض يتعلق بتصحيح قيمة العملة على أساس أن قيمتها السابقة كانت مغشوشة وبعيدة عن المستوى الحقيقي للدينار أمام الأورو والدولار أو حتى أمام سلة العملات الرئيسية التي تعتبر قاعدة لتحديد قيمة العملة الوطنية.
وبغض النظر عن النية والقصد وراء العملية التي طالبت بها الحكومة لأسباب مختلفة منها ما تعلق بمكافحة ارتفاع فاتورة الواردات خلال العام الجاري، فإن بنك الجزائر يعتقد أن اللجوء إلى تخفيض سعر صرف الدينار مقابل سلة من العملات الرئيسية الدولية، هو إجراء تصحيحي اتخذه البنك بطلب من الحكومة بكل سيادة لحماية المصالح الاقتصادية للجزائر، على أساس أن اللجوء إلى هذا النوع من الإجراءات التصحيحية من القواعد العالمية المعمول بها من أجل حماية الاقتصاد في حال الأزمات المالية الدولية خاصة عندما تكون الدولة في حاجة ماسة إلى الحد من فاتورة الاستيراد التي سترتفع أكثر فأكثر، مستفيدة من وفرة العملات الصعبة محليا وسهولة الحصول عليها من البنوك التجارية المحلية بسعر غير مكلف.
هل ستستفيد الصادرات من القرار؟
وعلى الرغم من محدودية الصادرات الجزائرية، إلا أن الصادرات يمكن أن تستفيد من عملية تخفيض العملة مقابل العملات الدولية ومنها الأورو والدولار، وأيضا وضع المزيد من العقبات أمام نشاط الاستيراد على أساس أن معادلة التسعيرة لا تكون حيادية وهي ليست كذلك أبدا.
ويتم الضغط على سعر العملة عندما يكون الارتباط مع العملات الأجنبية عن طريق سلة من العملات المتنوعة مثل الحالة الجزائرية التي يتم تحديد قيمة عملتها باحترام عاملين رئيسيين وهما عامل مرتبط بالسوق وعامل آخر مرتبط بسيادة الدولة.
ويرتبط الجزء السوقي بالتذبذبات الحاصلة على الصعيد الدولي نتيجة للعوامل المختلفة، وهو عامل يمثل نسبة 60 % من الأسباب التي يتطلب مراعاتها في تحديد سعر صرف العملة الوطنية وتبقى 40 % من العوامل المرتبطة بعناصر السيادة الوطنية المرتبطة بمجمل مكونات الاقتصاد الوطني.
وحتى وإن كان هدف الحكومة محمودا في ظاهره، إلا أن غياب الشفافية في التعاملات التجارية وخاصة التجارة الخارجية وحجم السوق الموازية، سيجعل من المواطنين الضحية والمتضرر الأول والأخير والوحيد بالنظر إلى أن المستورد سيقوم بإسقاط الزيادة مباشرة على المستهلك النهائي.
وينتظر أن تعرف أسعار جميع المواد المستوردة زيادة تتراوح بين 20 و50 % بعد حساب الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة والرسم على النشاط المهني.
وكأول إجراء سيقوم وكلاء السيارات مثلا برفع أسعار السيارات مباشرة بما يعادل 20 % على الأقل ونفس الإجراء على السلع والمنتجات الغذائية والمنتجات المصنعة ونصف المصنعة وعلى مواد البناء والتجهيزات وسترتفع كلفة إنجاز المشروعات محليا كما سيتحرك مؤشر التضخم نحو الارتفاع مجددا وإن كانت الحكومة ستحافظ على دعم المواد الأساسية.
وحتى وإن كان هدف الحكومة هو تخفيض فاتورة الواردات، فإن الإجراءات السابقة المنتهجة بينت محدوديتها ومنها تطبيق القرض الائتماني كآلية وحيدة لتسوية الواردات والتخفيض المتكرر للعملة المحلية، وخاصة أن وتيرة الواردات بلغت مستويات مرتفعة عند 60 مليار دولار تقريبا ثم إن المواطن الجزائري اعتاد تدليل الحكومة له ودغدغة عواطفه باستيراد مواد أساسية وكماليات بما فيها الزهور البلاستكية.
والخوف كل الخوف أن ينفجر الشارع إذا حاولت الحكومة فرض نمط مغاير قريب من سياسة شد الحزام أو ربما بمجرد التلويح بذلك.
ليس من السهولة بمكان أن تطالب الحكومة اليوم الجزائريين بالعمل وهم الذين أصبحوا يعيشون عالة على بقية العالم يستوردون كل شيء من الخارج من السيارات إلى التكنولوجيا إلى الغذاء واللباس والدواء وحتى طريقة قص الشعر، وعليه فقد يصبح إجراء تخفيض العملة في الحقيقية كمن يبحث عن إبرة في كومة تبن في ليلة حالكة الظلام وهي ترى مساهمة الصناعة في الناتج القومي أقل من 4 % وتراجع معدلات الإدماج في الصناعة المحلية إلى أقل من 10 % وسيطرة الريع على كل شيء وبلوغ فاتورة الدعم المباشر وغير المباشر إلى 31.5 مليار دولار.