التوصيل “الليفرور”… مهنة هشة محفوفة بالمخاطر!
مطالب بإصدار قانون خاص بالتجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل
– قائمة سوداء بالطرود الممنوعة.. وإجراءات للحد من المخاطر
– فراغ قانوني يضر بالمستهلك وعامل التوصيل
منذ سنوات قليلة بدأت ملامح مهنة جديدة تفرض نفسها بقوة في الجزائر، وهي مهنة “عامل التوصيل” أو ما يعرف لدى عامة الجزائريين بـ” الليفرور” أو “الديليفري”، خاصة بعد جائحة كورونا، ومع مرور الوقت لم تعد هذه المهنة مرتبطة فقط بتوصيل الوجبات أو الطرود، بل تعدته إلى مختلف الأغراض والسلع والبضائع التي يحتاجها الجزائريون في حياتهم اليومية، وأصبحت بذلك جزءا أساسيا من الاقتصاد الرقمي الجديد، الذي يعتمد على التجارة الإلكترونية، والتطبيقات الذكية، وطلب الخدمات عن بعد، ورغم هذا التوسع يبقى هذا القطاع يواجه الكثير من المصاعب والفراغات القانونية، في وقت يتطلع فيه الآلاف من الشباب الجزائري إلى تحويله إلى مصدر رزق دائم ومهنة معترف بها، وهو ما يدفع للتساؤل حول إمكانية تنظيم مهنة عامل التوصيل مستقبلا لتكون وظيفة مستقرة خاصة مع الوتيرة المتسارعة للتجارة الرقمية في العالم؟
هكذا غيرت مهنة التوصيل حياة مئات الشباب
يلاحظ كل من يتجول في المدن الكبرى مثل الجزائر العاصمة، وهران، قسنطينة، وحتى بعض المدن الداخلية، تزايد عدد الشباب الذين يجوبون الشوارع على دراجاتهم النارية وهم يرتدون حقائب التوصيل، سواء من أمام المطاعم ومحلات البيتزا والأكل السريع لمن يعملون لحسابهم الخاص، أو في حالة تعاقدهم مع شركات توصيل خاصة…
ورغم الطابع الشبابي الديناميكي للمهنة وحيويتها،إلا أنها لا تخلو من المتاعب اليومية، فأول ما يشتكي منه عمال التوصيل هو عدم الاستقرار، فالكثير منهم يعمل دون عقود وحتى دون تأمين ضد المخاطر التي تحدق بهم، الأمر الذي يجعلهم عرضة للطرد أو التوقيف دون حقوق رغم كل هذا لا يمكن إنكار أن مهنة التوصيل أصبحت من “مهن العصر”، وتستقطب الطلاب البطالين، ومن فقدوا وظائفهم بسبب الأزمات الاقتصادية، فهي ببساطة يمكن لأي شاب يملك دراجة وهاتف ذكي أن يبدأ في العمل خلال أيام فقط خاصة في ظل التحول الرقمي، وانتشار التجارة الإلكترونية، وتغير نمط حياة المواطن الجزائري الذي بات يعتمد على خدمات التوصيل لتفادي التنقل والزحام، وربح الوقت بسبب الانشغال أو متاعب الوظيفة خاصة النساء.
أما عن المخاطر، فهي متعددة من الحوادث المرورية بسبب السرعة والضغط، إلى السرقات والاعتداءات خاصة في بعض الأحياء الخطيرة، وصولا إلى سوء التعامل من بعض الزبائن، وتأخر الدفعات من الشركات، كما أن غياب تغطية اجتماعية وصحية يزيد من هشاشة هذا العمل، ويجعل مصيرهم معلقا على “حسن الحظ”.
الاعتداءات والسرقات… الوجه الآخر لمهنة العصر
وبحسب شهادات بعض العاملين، فإن بعض الشركات تستغل هذا الفراغ القانوني لتفرض شروطا مجحفة، مثل العمل بدون تعويض، وتحمل تكلفة الوقود وصيانة المركبة، وحتى تحمل خسائر الطرود غير المستلمة أو الطلبات الملغاة وغيرها من الأخطاء التي يتحملها في غالب الأحيان العامل لوحده.
يقول حسام، شاب في العشرينات من عمره التقته “الشروق” بأحد أحياء العاصمة، عن مهنته التي يشتغل بها منذ عام تقريبا، أن العمل في التوصيل منحه فرصة للهروب من شبح البطالة على حد تعبيره، بما أنه لا يملك أي مؤهلات أو شهادات عليا تسمح له بالبحث عن وظيفة، سوى دراجته النارية ورغبته في كسب المال، وأردف محدثنا قائلا إن العمل شاق وصعب وخطير أحيانا لكنه يعتمد عليه في كسب قوت يومه وإعالة أسرته بعد عجزه عن إيجاد منصب عمل دائم ومستقر…
فراغ قانوني يهدد العامل والمستهلك
لا يختلف خالد عن حسام من حيث المصاعب اليومية للمهنة حيث يشتغل هو الآخر في مهنة التوصيل حدثنا عن تجربته التي بدأها منذ سنتين بشركة خاصة، قائلا إن حجم المخاطر اليومية التي يواجهها عمال التوصيل في الجزائر، يقابلها غياب تام لأي تأمين أو حماية قانونية.
ويؤكد خالد البالغ من العمر 33 سنة ورب عائلة أنه في كثير من الأحيان يتم استدراجهم للسرقة والاعتداء عليهم، خصوصا عندما تكون الطرود ثمينة، فالأمر حسبه لا يقتصر على أوقات معينة أو أماكن نائية بل قد يحدث في وضح النهار وفي أحياء معروفة، وتعرض المركبات المستعملة في التوصيل للسرقة أو التحطيم..
وعن تفاصيل عمله، أوضح خالد أنه يتسلم يوميا حوالي 40 طردا لتوزيعها في الأحياء القريبة من مقر سكنه بأولاد فايت، ويتقاضى ما قيمته 250 دج عن كل طرد، واستطرد محدثنا قائلا إن هذا العمل غير دائم ويمكن أن يفقده في أي لحظة ما يجعله مصدر رزق هش، ويحتاج إلى ضمانات أكبر لاستمرار عمله في إعالة أسرته.
وفي سياق حديثه، أشار خالد إلى خطورة عدم معرفة محتوى الطرود، قائلا إن الأمر ليس من حق عامل التوصيل معرفته أو فتحه لمعرفة ما بداخل الطرد، وبرأيه، فإن ذلك قد يورطه في نقل مواد خطيرة دون علمه، ويجره إلى عواقب قد تصل إلى القضاء في حالة نقل ممنوعات أو ما شبه ذلك، وأردف المتحدث أن تعرض الطرد للتلف يضطره لدفع الثمن من ماله الخاص، حتى لو كان الأمر نتيجة اعتداء أو حادث خارج عن إرادته… وكشف المتحدث عن تحايل بعض الزبائن قائلا إنه عثر على طرد مكتوب عليه أنه يحتوي على هاتف آيفون، غير أنهم تفاجئوا بوجود علبة عصير داخله، وهي من بين الحالات التي يقع فيها العامل والمستهلك ضحايا لعمليات نصب واحتيال لا يمكن إثباتها في غالب الأحيان أمام الجهات الأمنية.
شركات ترفض تأمين عملها رغم حجم الأخطار
وانتقد خالد موقف الشركات التوصيل التي ترفض توفير أي تأمين رغم معرفتها بحجم الأخطار، وهو ما حدث معه شخصيا حين عرض ذلك قائلا إن الأمر أكثر من ضروري بما أنه يعمل بسيارته الخاصة ويعرضها لخطر السرقة أو التحطيم في أثناء الاعتداء التي تتربص بهم مع كل رحلة توصيل يقومون بها قائلا: “نحن نعمل بمركباتنا الخاصة ونتحمل مسؤولية كل الأموال التي ننقلها، إذا ضاع سنتيم واحد، حتى أثناء السرقة أو الاعتداء، ندفعه من جيوبنا، ولهذا اصبحنا نرفض توصيل الطرود الثمينة إلى بعض الأحياء الخطيرة لعدم توفر الحماية الكافية”.
وأضاف أن مهنة التوصيل أصبحت واقعا في الجزائر ومصدر رزق لكثير من الشباب، لكنها بحاجة ماسة إلى تنظيم وتأمين حتى لا تبقى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
كحال سامي: القطاع يتطور بسرعة لكن الحماية لا تزال ناقصة
من جهته قال الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة توصيل ،كحال سامي إن قطاع التوصيل في الجزائر لم يكن معروفا بالشكل الحالي قبل عام 2019، حيث لم يكن هناك حتى مصطلح واضح للتوصيل، ولم تكن توجد شركات تعمل وفق النمط المعمول به اليوم.
وكشف كحال أن هذا القطاع خلق وتطور بشكل ملحوظ، خاصة بعد جائحة كورونا، حيث أصبح حاليا يضم سوقا واسعة تحتوي على عدد كبير من شركات التوصيل مع منافسة قوية، وحول التوصيل بين الولايات التي كانت تستغرق من 8 أيام إلى 10 أيام، وأحيانا شهرا كاملا، إلى 24 ساعة أو أقل.
وأوضح أن هناك إطارا قانونيا ينظم نشاط التوصيل، لكن التنظيم في السوق لا يزال “ناقصا” وبحاجة إلى إضافات وقوانين يجب أن تُستحدث وأخرى يجب تعديلها، مؤكدا أن القطاع منظم نسبيا، لكنه يحتاج إلى تحسينات حتى يكون أكثر أمانا للشركات والعاملين، وأشار المتحدث إلى أن أغلب العمال لا يعملون بعقود عمل رسمية بينما الشركات تنشط بشكل عادي، وتابع قائلا أن هناك بعض المشاكل التي لا يمكن الحديث عنها بالتفصيل، لكن بصفة عامة القطاع يتطور بسرعة كبيرة.
تسجيل بيانات المستخدمين لتكون مرجعا خلال الحوادث
وفي ما يتعلق بالجانب الأمني، شدد كحال على أن عمال التوصيل يواجهون مخاطر حقيقية يوميا قد تهدد حياتهم، وروى بعض الأمثلة، من بينها عامل توصيل توجه لاستلام طلبية فوجد نفسه أمام شخص يحمل سلاحا أبيض يهدد حياته، كما وقعت حالات حسب ذات المتحدث حاول فيها زبائن إرسال طرود تحتوي على أشياء ممنوعة مثل أسلحة بيضاء، مخدرات، أدوية أو نفايات طبية، وهو ما يضع العمال في مواقف حساسة وخطيرة جدا.
تغليف الطرود داخل المكتب أمام الموظفين للتأكد من محتواها
وأكد أنه لا توجد حاليا طريقة مضمونة 100 بالمائة لحماية العاملين، لكن الشركة تحتفظ ببيانات الزبائن المستلمين للطرود لتكون مرجعا في حال وقوع مشاكل، كما تتابع حالات التوصيل لمعرفة ما إذا تعرض العمال لأي حادث، ومع ذلك، أشار إلى أن القانون لا يمنح شركات التوصيل الحق في فتح الطرود المغلّفة أو الاطلاع على محتوياتها، ولهذا وضعت الشركة إجراءات وقائية منها إلزام أي شخص يرغب في الإرسال أن يقوم بتغليف الطرد داخل المكتب أمام الموظفين، للتأكد من محتواه.
وبين أن هناك نوعين من مستخدمي خدمات التوصيل ويتعلق الأمر بتجار لديهم سجل تجاري وإطار قانوني ينظم نشاطهم، وهؤلاء يتحملون مسؤولية كاملة عن طرودهم، وأشخاص عاديون يُلزمون بتغليف الطرود داخل المكتب قبل إرسالها.
ونوه إلى أن الشركة تعتمد قائمة واضحة بالمنتجات الممنوعة من النقل، معلقة في جميع المكاتب بشكل بارز وواضح للزبائن، وتشمل المخدرات، التبغ، الكحول، الأوراق المالية، المجوهرات، وغيرها من المواد المحظورة قانونا، مضيفا أن كل زبون يوقع على وثيقة إقرار بأنه يحترم هذه القائمة قبل فتح حساب أو إرسال أي طرد.
حمايتك: ارتفاع في عدد الشكاوى المرتبطة بخدمات التوصيل في الجزائر
ويرى قانونيون أن تنظيم قطاع التوصيل أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لحماية العاملين فيه وضمان حقوقهم والحفاظ على حقوق المستهلك أيضا، بل أيضا لتطوير الاقتصاد الرقمي في الجزائر، ومن بين أبرز التحديات التي تواجه هذا النشاط، هو غياب التأطير القانوني، فباستثناء بعض الشركات الرسمية التي تسجل عمالها لدى الضمان الاجتماعي، يبقى أغلب ” الليفرور” ينشطون خارج القانون دون تأمين، أو ضمانات.
وفي سياق الموضوع، كشف رئيس المنظمة الجزائرية للدفاع عن المستهلك عيساوي محمد، لـ”الشروق” عن ارتفاع وتزايد مقلق في عدد الشكاوى المرتبطة بخدمات التوصيل في الجزائر، خاصة ما يتعلق بغياب الشفافية وعدم ضمان التعويضات العادلة في حالات ضياع أو تلف الطرود.
وأوضح رئيس منظمة “حمايتك” أن واقع خدمات التوصيل في بلادنا لا يزال “هشا”، حيث تسجل خروقات يومية تتعلق بعدم احترام القيمة الحقيقية للطرود وإهمال إعلام المستهلك بحقوقه، الأمر الذي يتسبب في كثير من الأحيان في تعميق شعوره بعدم الأمان القانوني، كما أشار عيساوي إلى وجود فراغ قانوني في مراقبة محتوى الطرود وحماية المستهلك من التلاعب أو النصب، وهو ما يضعه في مواجهة أطراف مجهولة لا يمكن مساءلتها أمام العدالة لغياب أدلة قانونية.
وأعرب المحامي عيساوي عن قلقه من استغلال بعض شركات التوصيل لوضعها كوسيط تجاري غير منظم، وبذلك تسهيل تمرير ممارسات تجارية مضللة، داعيا إلى إلزام هذه الشركات بكشف هوية الموردين، واحترام شروط البيع عن بعد، وفرض فواتير رسمية على جميع المعاملات.
واقترح رئيس المنظمة جملة من الإجراءات منها إنشاء منصة وطنية مرخصة للبائعين الإلكترونيين، وإصدار قانون خاص بالتجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، إلى جانب فرض تأمين إلزامي على الشركات لتغطية الطرود الضائعة أو التالفة، كذا وتفعيل آلية التعويض الفوري للمستهلك. كما شدد من جهة أخرى على ضرورة حماية حقوق عمال التوصيل باعتبارهم فئة مهمشة، من خلال نصوص قانونية وتأطير حقوقهم المهنية والاجتماعية، وتحمل الشركات مسؤوليتها اتجاههم، منوها إلى أهمية معالجة هذه الثغرات التي أصبحت ضرورة ملحة من أجل ضمان بيئة تجارية عادلة تحترم المستهلك، التاجر وعامل التوصيل على حد سواء.
المحامية سارة حسيني: المتاجر الافتراضية مطالبة بتوفير نظام توصيل آمن
وبالمقابل، أكدت المحامية سارة حسيني أن التجارة الإلكترونية أصبحت في الوقت الراهن من أبرز وأهم الوسائل التي تمكّن المؤسسات من الوصول إلى الزبون المناسب، في المكان والوقت المناسبين، وبأقل التكاليف الممكنة.
وأوضحت أن هذا النمط التجاري الحديث يفتح آفاقا واسعة أمام المتعاملين لتحقيق رضا الزبائن من خلال تقديم خدمات توصيل فعالة ومضمونة، مشيرة إلى أن المتجر، سواء كان افتراضيا أم تقليديا، يتعهد بإيصال الطلبات إلى العنوان الذي يختاره الزبون، مع اختلاف الوسيلة.
وأضافت حسيني أن صدور قانون التجارة الإلكترونية رقم 05/18 كان بمثابة الانطلاقة الفعلية لهذا القطاع في الجزائر، إذ وفر الإطار القانوني الذي ينظم المعاملات عبر الشبكة، ويمكّن المؤسسات من استغلال الموارد والإمكانات الهائلة التي تزخر بها البلاد لدفع عجلة الاقتصاد الرقمي.
وكشفت أن القانون الجزائري المنظم للتجارة الإلكترونية، رقم 05/18، خصّ مرحلة التسليم باهتمام واضح، حيث ورد مصطلح “التسليم” في عدة مواد تتعلق أساسا بحقوق والتزامات الأطراف في المعاملات الإلكترونية، وذلك حسب المادة 11 التي تلزم المورد الإلكتروني بتقديم معلومات دقيقة للمستهلك حول طرق التسليم، ومصاريفه، وآجاله.
كما تنص المادة 17 حسب الأستاذة على إلزام المستهلك الإلكتروني بتوقيع وصل الاستلام المقدم من طرف المورد عند الاستلام الفعلي للمنتوج أو الخدمة، مع استلام نسخة من هذا الوصل، وعدم جواز رفض توقيعه، أما في حالة تسليم منتج غير مطابق أو معيب، فالمادة 23 تمنح المورد الإلكتروني مهلة أربعة أيام عمل لاستلام المنتج في غلافه الأصلي ابتداء من تاريخ التسليم، مع تحمله كامل مصاريف الإرجاع، والتزامه بتسليم منتج مطابق، أو إصلاحه، أو استبداله بآخر مماثل.
وأكدت حسيني أن المواد 22 و27 من القانون ذاته نظمت أيضا مرحلة التسليم بشكل مفصل، وأوضحت أنه في ما يتعلق بالجزاءات، فإن عامل التوصيل يعفى من أي مسؤولية إذا كان تلف المنتج ناتجا عن سبب أجنبي خارج عن إرادته، أو عن سوء تغليف أو ترتيب من طرف الشركة المرسلة.