-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزاء من جنس العمل

سلطان بركاني
  • 47
  • 0
الجزاء من جنس العمل

من بدائع صنع العليم الحكيم -سبحانه- أنّه جعل للخلق سننا ثابتة يسير عليها، لا تتغيّر ولا تتبدّل… ((وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)). ((وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً))؛ سنن قوامها القسط والعدل والجزاء والوفاء، لا تحابي ولا تجامل أحدا؛ كافرا كان أم مؤمنا… ولعلّ من أبين وأظهر وأجلى هذه السّنن، سنةً نراها ونلمسها فيما حولنا، ويشهد بها العقلاء جميعا؛ إنّها سنّة “الجزاء من جنس العمل”، أو “كما تدين تدان” أو “كما تزرع تحصد”.

قضى الله -سبحانه وتعالى- قضاءً لا يتبدّل ولا يتغيّر، أن يجازي كلّ عامل بحسب عمله، إن خيراً فخير وإن شرا فشر، وهذا في الدّنيا وفي الآخرة، يقول –جلّ شأنه-: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه))، ويقول –تقدّست أسماؤه-: ((لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً))، ويقول الحبيب المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام-: “أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنّك ميّت، وأحبب من شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك مجزي به”، ويقول صحابي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أبو الدرداء –رضـي الله عنه-: “البِرُّ لا يَبْلَى، والإثْمُ لا يُنسَى، والدَّيَّانُ لا يَنام، فكُنْ كَما شِئْت، كَما تَدينُ تُدان”، ويقول أحد الصّالحين: “الحسنة لا تضيع على ابن آدم، والذنب لا يُنسى ولو بعد حين، والديان هو الله -عز وجل- حي لا يموت”.

هذه الحقيقة لا يماري فيها عاقل، وجميعنا نشهد بها، ولكنّنا -إلا من رحم الله منّا- ننساها. نرى في أنفسنا ومن حولنا كيف يجازى المحسنون بأعمالهم أحسن الجزاء، وكيف يجازى المسيئون وفق ما عملوا، ولكنّ قليلا منّا يتّعظون ويعتبرون.

الجزاء من جنس العمل؛ فمن ظلم زوجته بطلاق أو منعِ نفقة أو أذية ولو كانت بالكلام كوفئ في الدّنيا قبل الآخرة، وهكذا من ظلمت زوجها وخلعته وأخذت ماله، جُزيت بظلمها في الدّنيا قبل الآخرة… ومن ظلم أولاده فلم يربّهم أو منعهم النّفقة أو ضيّق عليهم، عوقب في الدّنيا قبل الآخرة… والأشدّ من هذا، من ظلم والديه، فأساء معاملتهما أو تضجّر منهما، حصد ما زرع في الدّنيا قبل الآخرة… من أساء إلى جاره أو أساء إلى مسلم في زوجته أو ابنته، سقي من عدوانه في الدّنيا قبل الآخرة، بأن يكشف الله عنه ستره، ويبتليه في أهله كما آذى مسلما في أهله. وكم سمعنا برجال أطلقوا العنان لألسنتهم في أعراض النّاس ولم يغضّوا أبصارهم عن العورات، فجزاهم الله بأن تسلّط عليهم من آذاهم في أهليهم بلسانه وعينه… من تسلّط على ضعيف فأهانه أو آذاه أو أخذ حقّه، سلّط الله عليه من هو أقوى منه فيذلّه… ومن تسبّب في إزهاق روح بريئة، أتاه القصاص عاجلا أم آجلا، وقديماً قالوا: “بشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حين”، ويُروى أنّ الحجّاج بن يوسف الثّقفي عندما قال للإمام سعيد بن جبير: “اختر لنفسك أيَّ قِتْلَةٍ تُريد أن أقتلك؟” قال ابن جبير: “بل اختر أنت لنفسك يا حجاج؛ فوالله لا تقتلني قِتْلَةً إلا قَتَلَكَ الله مثلها يوم القيامة”.

وحصاد الخير خيرٌ مثله

الجزاء من جنس العمل؛ هذا ليس في من يزرع الشرّ فحسب، إنّما أيضا في من يزرع الخير، فإنّه أيضا يجازى خيرا ممّا زرع، في الدّنيا قبل الآخرة… من أحسن إلى عبد من عباد الله، ولو كان هذا العبد عاصيا، ولو كان كافرا، كوفئ في الدّنيا قبل الآخرة، وكلّما كان هذا العبد أقرب رحما كان الجزاء أوفى وأوفر. يقول الله –تعالى-: ((وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان)). مَن أحسن إلى زوجته جُزيَ في الدّنيا قبل الآخرة، سَعة في الرزق وراحة في القلب، ومن أحسنت إلى زوجها كوفئت في الدّنيا ودّا ورحمة من زوجها وراحة في قلبها وبركة في عمرها… من أحسن إلى أولاده فصحبهم بالمعروف، وأنفق ووسّع عليهم بالحلال، جزاه الله في الدّنيا بركة في رزقه وماله، والتئاما لشمله… ومن أحسن إلى والديه، جزاه الله بأن يبارك له في أولاده ويرزقه برّهم وصلاحهم.

من أحسن إلى أخ من إخوانه، فذبّ عن عرضه في غيبته، جزاه الله في الدّنيا قبل الآخرة، بأن يسخّر له من يذبّ عن عرضه ويدافع عنه… ومن أعان مسلما على قضاء حاجة له، قيّض الله له من يعينه في قضاء حوائجه. ومن سمع كلاما عن أخيه أو رآه على خطأ فستره ونصحه سرًّا، ستره الله في الدّنيا والآخرة… يقول النبيّ –صلـى الله عليه وسلم-: “المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِه، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَة، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَة” (رواه البخاري ومسلم)… يقول الإمام ابن القيِّم رحمه الله: “ولذلك كان الجزاء مُماثلاً للعمل من جنسه في الخير والشر، فمَن سَتَر مُسلمًا ستَره الله، ومن يسَّر على مُعسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفَّس عن مؤمنٍ كُرْبة من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن أقال نادمًا أقال الله عثرتَه يوم القيامة، ومن تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورتَه، ومن ضارَّ مسلمًا ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه، ومن خذَل مسلمًا في موضع يجب نصرتُه فيه خذَله الله في موضِع يجب نصرتُه فيه، ومَن سمَح سمَح الله له، والراحمون يرحَمهم الرحمن، وإنما يرحَم الله من عباده الرحماء، ومن أنفَق أنفَق الله عليه، ومن أوعى أوعى عليه، ومن عفا عن حقِّه عفا الله له عن حقِّه، ومن تجاوَز تجاوَز الله عنه، ومن استقصى استقصى الله عليه”.

(أعلام الموقعين)

والله الكريم يجزي في الدّنيا قبل الآخرة

الجزاء من جنس العمل؛ هذه السنّة ليست في معاملة الخلق بعضهم لبعض، فحسب، إنّما هي أيضا فيما بين العبد وربّه، إن أحسن العبد بينه وبين خالقه، فأطاعه وخافه واتّقاه وتقرّب إليه، جزاه الله خيرا في الدّنيا قبل الآخرة، ومن أساء فيما بينه وبين خالقه، فعصاه وغفل عن طاعته، جزاه الله سوءًا في الدّنيا قبل الآخرة، يقول سبحانه وتعالى: ((فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)).

من حافظ على صلاته وأطال وقوفه بين يدي الله ليلاً ونهاراً لله، وتحملّ  المشقّة في مرضاة الله وطاعته، خفّف الله عنه وقوفه عند حاجته، فتقضى حاجاته أينما ذهب بسهولة ويسر، في المستشفيات والإدارات ومراكز البريد والضّمان، وفي كلّ مكان، ومن تهاون في صلاته ونقرها نقر الغراب وسرق من قيامها وركوعها وسجودها، أطال الله وقوفه عند حاجاته في هذه الدّنيا، فلا يتّجه إلى مصلحة أو إدارة ولا يطرق بابا إلا تعسّرت أموره وطال وقوفه وانتظاره.

من أدام النّظر في كتاب الله وحافظ على ورده من القرآن وطلب الخشوع والخضوع عند تلاوته واجتهد في العمل بأحكامه، ملأ الله قلبه نورا ونفسه سعادة وحبورا، وبارك له في عمره ووقته ورزقه… ومن هجر القرآن جُزي قسوة في قلبه وقحطا في عينه وذهابا للبركة من عمره وأيامه وساعاته… من حفظ حدود الله، حفظه الله في قلبه ودينه وبدنه، يقول النبيّ –صلـى الله عليه وسلم-: “احفَظِ اللَّهَ يَحفَظْك”… من حرص على لقمة الحلال واجتنب الحرام، فتح الله له أبواب السّماء وأجاب دعواته، وبارك له في رزقه وأبنائه ورزقه العافية في بدنه، ومن أكل الحرام حرم إجابة الدعاء، ومحقت البركة من ماله، وسلط الله عليه الأسقام والأمراض والهموم والغموم… من غضّ بصره عن الحرام رزقه الله حلاوة في قلبه وصحّة في عقله وسدادا في رأيه، ومن ألقى العنان لبصره بالنّظر إلى العورات والصور والمقاطع المحرّمة، جزاه الله ضيقا في صدره وقسوة في قلبه وخفّة في عقله، وحرمه الخشوع والعلم.

من أخرج زكاة ماله وأتبعها بالصّدقات والأعطيات، بارك الله في ماله وحفظه في صحته وأبنائه، ومن منع الزّكاة وبخل بالصّدقات، محقت البركة من ماله، وسلّط الله عليه الأمراض والهموم والمصائب.

هكذا هي الدّنيا وهكذا هي الحياة؛ ازرع ما تريد حصاده، وقدّم ما تريد أن يرجع إليك. اسخر كما شئت ممّن شئت، واضحك على من شئت، واعتدِ على من شئت، واجرح من شئت، واظلم من شئت، واسفك دم من شئت، وتكبر على من شئت… أو أسعد من شئت، وأحسن إلى من شئت، وأعن من شئت، واجبر كسر من شئت، فو الله لن تحصد إلا ما زرعت، ((وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!