الحكم بفيزا.. “شنقا”!
ما أثير مؤخرا بشأن وجوب السفر أولا إلى البلد المانح لفيزا “شنغن” تحت طائلة المنع من الدخول إلى تراب البلد الثاني غير المانح، كانت “الكسكس” الجزائرية أوّل من نبّه زبائنها إلى هذا الإشكال الذي حاول البرلمان الأوروبي أن يخفيه، خوفا من فهمه على النحو الصحيح. ونحن الجزائريين، نفهم المعاني من شفاه أصحابها: الجوية الجزائرية، كانت صريحة: لا تفهموا إلا ما نقوله لكم وليس ما يقولونه لكم! إنهم يقولون لكم أشياء تفهمونها على أنها شيء، في حين يفهمونها هم كشيء آخر، لأنهم يربحون من وراء بيانهم المموه الغامض الذي يقول: “نعم ولكن”! الهدف من هذا “الغموض” في البرلمان الأوروبي الذي لا يقول “لا” ولا يقول “نعم”، من خلال عبارة “يمكن لشرطة حدود البلد غير المانح أن تطلب تبريرات”. وهذا هو الإشكال: فما يراه المسافر مبررا، قد لا يكون بالضرورة هذا هو رأي شرطي الحدود، خاصة إذا كان عنصريا، والهدف هو بالتأكيد دفع الخطوط الجوية إلى دفع تعويضات بآلاف الدولارات على كل مسافر، يسافر بفيزا شنغن ممنوحة من بلد آخر لم يسافر بها أولا إلى هذا البلد المانح. وهنا تكون المسألة وكل ما فيها “ابتزازا” عن طريق إيقاع الفرائس في مصيدة الغموض، وتكون الشركة الناقلة، هي الخاسرة والمسافر معها!
وبما أن هذا العمل لا يقوم به إلا الجزائريون في غالب الأحيان، حين يطلبون فيزا لإسبابنا، باعتبار الإسبان يهمهم المال والتجارة وفقط، فيطلبون فيزا شنغن منها، ليسافروا بها إلى فرنسا. الجوية الجزائرية أول من كشفت النوايا، لأنها هي المهددة بهذه العقوبات والغرامات، حيث يتم تغريمها بآلاف الدولارات عن كل مخالفة من هذا النوع يرتكبه زبون، غرض يراد له ضرب الشركة ـ وهي التي جنت على نفسها “براقش”ـ باعتبارها تريد أن تكون وحدها، مع ضمان سوء الخدمات والغلاء الفاحش للتذكرة!
نمتُ على هذا التساؤل، لأجد نفسي أسافر على متن “الكسكس” باتجاه لبنان ثم إلى الأردن فالعراق، فمصر، فالرياض فالبحرين فالإمارات فسلطنة عمان فالسودان فجيبوتي فالصومال.. فاليمن! كل هذا في رحلة بحث علمي عن العلم، لم أجد العلم ولا العمل، ووجدت نفسي جاهلا عالما، أميا عصاميا، تعلمت الجهل في المهد صبيا! كيف لي أن أعرف وأنا أعرف أن فضاء شنغن مفتوح وهو غير عربي، فقد اعتقدت أن حصولي على فيزا للبنان سيسمح لي بالسفر إلى كل البلدان العربية! فردني شرطي الحدود من مطار الجزائر قائلا: حاسب روحك راك في أوروبا!؟ كل دولة يخصك تطلب تأشيرتها: اللي يمدهالك بالتقلاش، واللي ما يمدهالكش حتى بالتشناف! واش ما تقراش؟ ياك أنت أستاذ جامعي وإلا حمار؟ قلت له: حمار ونص يا أخي العزيز! كنت أعتقد أنه لا يطلب مني لا فيزا ولا بطيخ.. وكعربي أدخل إلى بلدي أينما كنت! قال لي: والسعودية، يخصك تكون عندك فيزا للرياض خاصّة مش فيزا لجدة أو للمدينة: فيزا للحج والعمرة، حاجة، والرياض حاجة أخرى! يخصّك واحد يضمنك في كل بلدان الخليج باش يعطوك فيزا! هذا إذا عطاوهالك! راك تنوم! حسبت غير أرواح وأدخل.. آمبارك بحمارك؟ قلت له: وأوباما، علاه يدخل؟ آه.. حماره خير مني؟ والله لن أسافر لأي بلد منهم جميعا! سأحكم عليهم جميعا بفيزا “شنقا” مع سبق الإصرار والترصد!
وأفيق وأنا أكاد أختنق بربطة عنقي بعد عودتي من المطار لأن رحلة “الكسكس” ألغيت.. ومن دون تبرير!