الخريف ضيّعت اللبن
لم تشهد فرنسا في ظل الجمهورية الحالية، حملة تحاملية على الاسلام والمسلمين والهجرة، والإقامة الوافدة من الدول المغاربية، كما تعرفها منذ ما بعد 11 سبتمبر 2001. هي الآن، بيمينها واليمين الوسط تتزعَّم أوروبا والغرب عموما في خطاب سياسي مناهض للاسلام والمسلمين ومعادي للقيم غير “العلمانية” التي تتشدق بها جمهورية ماكرون.
الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل المقبل، بدأت نيرانها تستعر منذ مدة، إذ أن ألسنة “اللهب المدنّس” قد بدأت تلتهب أكثر فأكثر من مرشح يميني وضمن تيار اليمين الوسط برئاسة ماكرون، وكأنَّ حصان طروادة الموصل للإليزي هم المسلمون.. مسلمو فرنسا من الفرنسيين أنفسهم.
واضحٌ تماما اليوم، أن تراجع اليمين الوسط، وعلى رأسهم حزب ماكرون في شعبية أخذها من الناخبين الفرنسيين من أصول مغاربية وجزائرية بالأخص، بعد ما أعلن خلال حملته الأولى، تقارب وجهات نظره مع الجزائر حول الاستعمار الفرنسي باعتباره الاستعمار جريمة ضد الانسانية، وأبان عن توافق ضامر مع الجزائريين في حربهم الضروس ضد الآلة الاستعمارية منذ عقود، لكن تراجعه مؤخرا والتصريح غير العلني، في اجتماع لأبناء الحركى، ما كان ليخرج لولا أن سرَّبه الإعلام، لم ينفِه ماكرون، وعكس ما صرح به علانية قبل انتخابه رئيسا، يعكس هذا التقلب، مدى الخطاب المزدوج الذي يتحكم في مسار الانتخابات الرئاسية الفرنسية لدى ماكرون واليمين الوسط. مسك العصا من الوسط، لا يدوم طويلا، إذ سرعان ما بدا أن الرئيس يمسك العصا من اليمين وهو رئيسٌ، بعد ما أظهر أنه يمسكها من اليسار وهو مرشح لها أول مرة. كما أن هذه الازدواجية في الموقف، التي تنمُّ عن نفاق وخداع سياسي بئيس، توحي بأنَّ اليمين في فرنسا، يتقدَّم ويُنذر بإسقاط المواقف المتأرجحة، مع أنَّ لوبين نفسها وهي تقترب من الرئاسة، بدأت تفهم أن لغة القوة مع الجزائر لا تنفع، وأنها قد بدأت تليِّن خطابها بأن أعلنت مؤخرا أنه على الجزائر كدولة عظمى في المنطقة أن تحترم فرنسا كونها دولة عظمى أيضا، فالعظماء يحترمون القانون الدولي.. إلى غير ذلك من مغالطات حلوِ التلميحات بعد مُرِّ التصريحات.
ماكرون، الذي امتشق سيف الجهاد ضد الاسلام وليس فقط ضد الفكر الجهادي، يريد أن يزايد على اليمين أكثر في حملته من أجل بقائه في الإيليزي لعهدة أخرى. لكن هذا، قد سلبه سبب تمكّنه من ذلك أو على الأقلّ، نخر من منسأته التي كان يتكئ عليها وعصاه التي يهش بها.. لاسيَّما الجانب الاقتصادي مع الجزائر، عبر تصريح أعتقد أنه ندم على قوله، ولعن من أعلنه خارج الاجتماع. لهذا نرى ماكرون يحاول أن يتودَّد من جديد للجزائر لعلها تُنقذه من انتخابات تبدو في غير صالحه أمام ما يحدث اليوم في فرنسا من تفشي الغلاء الذي لم يظهر إلا مؤخرا، ومن تلملم الأصوات المغاربية، التي قد تختار مرشحا يساريا، أغلب الظن أنه يتّجه نحو “ميلونشون”، حتى ولو لم يحقق الإجماع الفرنسي المغاربي، إلا أنه سيضعف حظ ماكرون ويعزّز قوة اليمين التاريخي.. ووقتها، سيكون ماكرون قد ضيّع لبن الربيع في الخريف.