-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدّخول المدرسيّ.. بين همّ وهمّ!

سلطان بركاني
  • 634
  • 0
الدّخول المدرسيّ.. بين همّ وهمّ!

لو تأمّلنا واقعنا في الأسابيع الأخيرة التي تسبق الدّخول المدرسيّ من كلّ عام، لننظر ما هو أكبر همّ نحمله؟ فإنّنا نجد أنّ الهمّ الأكبر الذي يقلق أغلب الآباء والأمّهات، هو همّ كسوة الأبناء وأدواتهم ومحافظهم ومآزرهم.. وهو همّ يؤجر عليه الآباء ما كان في حدود المعقول والمشروع؛ فمن واجبهم المنوط بالاستطاعة أن يهتمّوا بتوفير ما يعين أبناءهم في تحصيلهم الدراسيّ.

لكنّ ما يستحقّ إعادة النّظر هو أن يتربّى أبناؤنا على أنّ الألبسة والأدوات المدرسية هي ما ينبغي أن يكون همّهم الأوّل والأكبر. حتى تصبح شفقتنا تتوجّه فقط إلى تلميذ عاد إلى الدّراسة بلباس قديم ومحفظة عُرف بها في العام المنصرم.. نعم من واجبنا أن نهتمّ بالفقراء بيننا في مثل هذه الأيام ونبذل لهم العون ليواجهوا أثقال الدخول المدرسيّ.. لكنّ شفقتنا ينبغي أن تكون على من ملك المال واشترى لأبنائه الكتب والأدوات وكساهم من كلّ أنواع اللّباس، من دون أن يكون له أدنى اهتمام بهيئة أبنائه إن كانت تليق بطلبة علم وقبل ذلك بأبناء مسلمين! ومن دون أن يكون له الحدّ الأدنى من الاهتمام بأخلاق أبنائه الذين يتّجهون إلى مؤسّسات توصف بأنّها مؤسّسات تربوية! فالفقير حقا ليس هو من لا يملك المال، إنّما الفقير هو من لا يملك شيئا آخر غير المال.

إنّه ليس يصحّ أبدا في مجتمع مسلم أن تكون المظاهر هي الميدان الأهمّ الذي يتنافس فيه المتنافسون.. واقع محزن ومؤلم هذا الذي نرى عليه كثيرا من أبنائنا التلاميذ، وأكثر منه ما عليه بناتنا التلميذات، حين أصبح الهمّ الأوحد لكثير من بناتنا هو أن تبدو الواحدة منهنّ أكثر أناقة وأحسن لباسا من صديقاتها في المدرسة وأن تشير إليه الأنامل وتتحدّث عنها الألسن وتطرب أذنها بسماع كلمات الإعجاب.. تخرج من بيتها إلى مدرستها لكأنّما هي متّجهة إلى عرس أو صالة لعرض الأزياء.. بل قد أصبحت الفتاة المسلمة التي لا تبالغ في الاهتمام بمظهرها يُنظر إليها على أنّها متخلّفة ليس لها ذوق في اللّباس! وأضحت البنت المسلمة تلح على والديها وتبكي وربّما تمتنع عن الخروج للدراسة، حتى يشتري لها والداها اللباس الذي يشبه لباس صديقاتها. حتى لو لم يكن لباسا لائقا بفتاة مسلمة أبواها مسلمان!

ليس يليق ولا يحلّ أن يخرج أبناؤنا من البيوت متّجهين إلى المدارس في هيئات ومظاهر لا تليق بشباب مسلمين يخرجون من بيوت مسلمة، ولا تليق بطالب علم وطالبة علم يتجهان إلى الإكمالية أو الثانوية أو الجامعة.. أعظم خسارة لتعليمنا هو أن تكون المظاهر الفانية -بغضّ النّظر عن مصدرها ومكانها من ديننا- هي الميدان الأهمّ الذي يتنافس فيه أبناؤنا وبناتنا.. أبناؤنا ينبغي أن يتنافسوا في طلب العلم، وأن يكون التفوّق في الدراسة ورفع المستوى العلميّ والثقافيّ والأخلاقيّ هو المضمارَ الذي يتسابقون فيه.

كم هو مؤلم أن نسمع عن أطفال في اليابان يدخلون عالم الاختراع والابتكار وهم في مدارسهم الثانوية. بينما أبناؤنا في الجامعات، الواحد منهم لا يتقن لغة أمّته العربية ولا يحسن كتابة طلب خطيّ، ولا يتقن حتى تخصّصه الجامعي. بل حتى رسالته الجامعية التي يقدّمها بعد سنوات من الدراسة يستعين على إعدادها بالذّكاء الاصطناعيّ! يدرس 15 أو 17 سنة أو أكثر، وفي النهاية يخرج لا تفصله عن الأمية إلا بضع خطوات.. والمصيبة أنّه يوظّف بَعد ذلك في مجال من المجالات فلا يرى الناسُ أيّ فرق بينه وبين من لا يحمل أيّ مستوى تعليميّ! هذه ليس حال كلّ الطلبة. لكن مع كلّ أسف هي حال أكثر التلاميذ والطلبة، لنسبة ربّما تتعدّى ثلاثة أرباعهم!

نعم. منظومتنا التربوية في أمسّ الحاجة إلى التطوير، ومناهجنا في أمسّ الحاجة إلى المراجعة. ونحن نرى في كلّ عام أنّ ترتيبنا بين الدول في جودة التعليم لا يشرّف.. وفي الإحصاءات التي نشرت لأفضل الدول في التعليم للعام الجاري 2025م، لم يظهر اسم أيٍّ من الدول العربية مع كلّ أسف. ظهرت سنغافورة والصين واليابان وكوريا الجنوبية، ولم تظهر الجزائر ولا مصر ولا السعودية ولا قطر!

نعم، منظوماتنا التعليمية تعاني الشيخوخة، ولكنّ الأهمّ من هذا هو أنّنا فقدنا التحدي الذي كان تلاميذ وطلبة الستينات والسبعينات إلى الثمانينات وحتى التسعينات يحملونه في نفوسهم.. التحدّي والهمّة العالية يصنعان من الليمونة شرابا هنيئا مريئا.. منظومتنا منهكة، لكنّنا نسمع عن طلبة يُتمّون دراستهم في الخارج فيتفوّقون ويتميّزون. فلماذا أصبح همّ الأغلبية الساحقة من تلاميذنا وطلبتنا هو أن ينتقلوا من عام دراسيّ إلى آخر ويتمّوا دراستهم الجامعية ويظفروا بأوراق تسمّى شهادات ليزاحموا بها في سوق العمل، مِن دون أن يكون لهم أيّ اهتمام برفع مستواهم العلميّ والثقافيّ وتكوين أنفسهم تكوينا جيّدا يصنع لهم موطئ قدم في هذا العالم، ويجعل الواحد منهم إذا تكلّم في تخصّصه أبدع وأمتع ونفع؟

لذلك ينبغي أن نعود إلى أبنائنا لنربيهم على أنّ المظاهر ليست هي ميدانَ التنافس، إنّما ميدانُ التنافس هو ما يحصّله التلميذ والطّالب خلال مساره التعليميّ، وهو المستوى الذي يصل إليه من الفصاحة والثقافة وسعة الاطّلاع.

ينبغي أن نربّي بناتنا وأبناءنا الذين يخرجون للدراسة في الابتدائيات والإكماليات والثانويات والجامعات، على أنّنا مسلمون نملك خصوصياتنا التي يجب أن نتشبّث بها ونرفع بها رؤوسنا.. ليس يليق بطالب مسلمة في الجزائر المسلمة أن يكون همّه هو أن يتشبّه بزيّ شابّ في دولة غربية.. الطّالب المسلم ينبغي أن يكون لباسه لائقا بكونه مسلما منضبطا بشرع ربّه.. وهكذا التلميذة أو الطالبة المسلمة، ينبغي ألا تنسى وهي تختار لباسها أنّها مسلمة نشأت في أسرة مسلمة في بلد مسلم، واللباس الضيّق أو القصير الذي تلبسه الطالبات في فرنسا وبريطانيا لا يجوز لها أن تلبسه، حتى ولو امتلأت به الأسواق والمحلات، حتى ولو وصفه التجّار بأنّه موضة العام! موضة الفتاة المسلمة هي شرع ربّها وأسوتها هنّ المسلمات الحييات الستيرات اللاتي لا يمنعهنّ سترهنّ ولا حياؤهنّ من أن يتفوّقن في دراستهنّ.. قدوة تلميذاتنا وطالباتنا ينبغي أن تكون من أمثال الطالبة رونق زاني صاحبةِ المرتبة الأولى في بكالوريا جوان 2025م، الطالبة المتديّنة صاحبة الأخلاق العالية، التي جمعت بين التشبّث بدينها وأخلاقها وحجابها وبين التفوّق في دراستها.

أبناؤنا يجب أن يتعلّموا أنّ ميدان التنافس النافع هو التفوّق في الدراسة والتفوّق في الأخلاق.. وأنّ أخلاقهم يجب أن تكون لائقة بطلبة العلم، وليس يصحّ أو يليق أبدا أن يتحوّلوا إلى عابثين لا همّ لهم إلا أن يسخروا ويضحكوا.. والله إنّها لمصيبة حين أصبح أبناؤنا التلاميذ، وقتهم كلّه للضّحك واللّهو والعبث.. لو كانوا يجعلون للمزاح أوقات الراحة، لهان الأمر، ولكنّهم مع كلّ أسف يضحكون في كلّ وقت، حتى في وقت الدّراسة وأثناء الحصص، وحتى أصبحوا يضحكون من أساتذتهم ويتندّرون بهم ويريدون منهم أن يقضوا أوقات الحصص الدراسية في المزاح والضحك! ليس حراما على أبنائنا أن يلهوا ويضحكوا في حدود أخلاق الإسلام وآدابه.. لكن أن تتحوّل كلّ أوقاتهم إلى لهو ولعب وضحك، فهذه مصيبة.. مصيبة ألا يفرّق أبناؤنا بين وقت الجدّ ووقت اللّعب، وبين المكان الذي يصحّ أن يلعبوا ويضحكوا فيه والمكان الذي ينبغي أن يراعوا حرمته ويتأدّبوا بآدابه.

لو سألت أيا من أبنائنا التلاميذ والطّلبة عن أهمّ ما ينبغي لطالب العلم أن يتحلّى به لأجابك من دون تردّد: الأخلاق.. لكنّك في واقعه ربّما تجد الأخلاق هي آخر ما يمكن أن يهتمّ به.. وربّما تجد الوالدين يتحدّثان عن أهمية الأخلاق لكنّهما لا يبحثان عنها في واقع أبنائهم.. بل ربّما يخاصمون الأساتذة والمعلّمين الذين يحاولون إعانتهم في تربية أبنائهم.. حتى صرنا نسمع بأب ينطلق كالثور الهائج ليوبّخ أستاذا نصح ابنه بأن يلبس لباسا محترما لائقا بطالب العلم، أو نصحه بأن تكون قصّة شعره لائقة بمن يدخل مؤسّسة تربوية، أو زجره عن خلق سيّئ. ينطلق الأب إلى الأستاذ ليقول له بكلّ جرأة وصفاقة: “ما كان ما دخلك في ولدي”.. بل قد سمعنا بأمّهات تنطلق الواحدة منهنّ بكلّ جرأة وصفاقة لتقف في وجه الأستاذ أو المراقب الذي نصح ابنتها بأن ترتدي لباسا محترما أو تنتهي عن العبث والميوعة، لتقول له: “ما كان ما دخلك”!

الأستاذ أو المعلّم من واجبه أن يعينك في تربية ابنك أو ابنتك، فهو موظّف في وزارة اسمها التربية والتعليم، والتربية فيها يفترض أن تسبق التعليم. فكفانا أيها الآباء وأيتها الأمّهات هذا الانحدار إلى الهاوية، من رأيتموه يبذل النصح لأبنائكم وبناتكم فاشكروا له صنيعه ومُروا أبناءكم بأن يصغوا لنصحه ويحترموه.. وإن رأيتم في أسلوبه خطأ، فلا تخطّئوه أمام أبنائكم وتلامذته، وإنّما اطلبوا لقاءه منفردا، وكلّموه بالتي هي أحسن. فالمعلّم حقّه أن يحترم ويوقّر ويحفظ قدره في عيون تلامذته.

يا أيها الآباء وأيتها الأمّهات: عندما أصبح التعليم في واقعنا سنوات تمرّ بين جدران المؤسّسات التعليمية في انتظار ورقة تحمل ختما في أسفلها تسمّى شهادة، وربّما تكون شهادة زور. وبسبب هذا الفصام النّكد بين التعليم والأخلاق، نكبنا في واقعنا بالموظّف الذي يخون أمانة الوظيفة، والطّبيب الذي لا يرعى قدر مهمّته النبيلة، وبالمعلّم الذي لا يرعى للتعليم رسالته، وحتى بالإمام الذي يرى في الإمامة وظيفة كغيرها من الوظائف.. هناك بين أطبّائنا ومعلّمينا وأساتذتنا وموظّفينا وأئمّتنا كثير من الخيّرين والرساليين، الذين يستحقّ كلّ واحد منهم أن نقبّل جبينه. لكنّ هؤلاء ما يزدادون إلا قلة مع مرور الأعوام.. وقلتهم تنذر بأنّنا نتّجه بسرعة كبيرة إلى الهاوية.. فإذا أردنا لهؤلاء الذين يتّقون الله في أماناتهم أن يكثروا فلنتنبّه لأبنائنا التلاميذ والطّلبة، ولنهتمّ أكثر بما يحملون في رؤوسهم قبل ما يحملون في محافظهم، وبأخلاقهم قبل لباسهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!