الرسالة الوحيدة
فرنسا التي تشعر بأنها لم تعد كما كانت، على أيام الكبار على اختلاف توجّهاتهم، شرعت في اللعب لعبة الصغار: التظاهر بما لا تُضمر، والتعامل بمستويات مدنية، ترقى إلى الحضيض، لكن من غير براءة، بل العكس هو القائم فعلا: لعب عيال من دون براءة حتى بالخيال.
من المعروف، أن الصغير والضعيف، عندما يتخاصم مع الكبير، التصابي يجعله يرنو إلى الأسفل، فيما الكبار يرتفعون إلى أعلى. غير أن المثل الشعبي عندنا يحذّر من التخاصم مع الأطفال، خاصة إذا كنت كبيرا، لأنك ستسقط في حضيض معتركه.
الجزائر لا تعارك فرنسا، ولا تخاصمها، وتلك هي المصيبة الكبرى لدى فرنسا، لاسيما اليمين والدولة العميقة فيها، التي تريد أن تجرّ الجزائر إلى لُعب الأطفال القذرة، التي لا تحترم لا أخلاقيات ولا أصولا، وتلعب بوسائل أقلّ ما يقال عنها إنها خبيثة ووضيعة. هي تعرف أننا كجزائريين، لا نقبل التعامل بمثلها، إنها تعرف أننا أصحاب “كلمة وموقف”، وأنفنا أشمخ من أن ينزل إلى الحضيض في المعاملات، وإلا لكنَّا مثلهم.
كلام رئيس الجمهورية أمام البرلمان بغرفتيه، كان صريحا، ومن دون هبوط للمستوى الذي تقوم به فرنسا مع “المؤثرين” الجزائريين لديها، كنوع من رد الفعل تجاه قضية “المتصنصل”، الذي أرسل بعدما شُحن وتربَّى على أيديهم وأيدي اللوبي الذي يدافع عنه وعن أسياده في مملكة الحشيش والبقشيش. قضية هذا الكائن، واضحة والعدالة لها بالمرصاد، لأنّ ما قامت به فرنسا في هذا الصدد، ومع أناس آخرين بالتأكيد، وهم معروفون ومكشوفون الآن، وبعضهم لا يزال يعمل في الخفاء، لكنه ليس ببعيد عن الكشف: فالكل بات مكشوفا حتى من هو ليس معروفا إعلاميا وشعبيا. الخيانة الوطنية، ليست حرية تعبير، كما يريد وزيد الداخلية تبرير ما لا يبرر: ادّعاء أن “النورماندي” ملكٌ للعرش البريطاني، أو أنّ “الألزاس واللورين”، ملكٌ لألمانيا، إذا ما قالها كاتبٌ وروائي فرنسي كبير، وحتى صغير بحجم اللص.. إياه، لن تسكت عنه لا فرنسا الإعلام ولا فرنسا الرسمية ولا اليمين ولا اليسار، أما أن يقولها مجتثّ، بلا أصول ولا أهل، ولا دين ولا ملة، “تنجّس” بجنسية أجنبية، ويطمع في نجاسة أخرى لدولة الرجس والقتل والإبادة، ويلبس “الكيبة”، ويمشي في أسواق الكيان، فهذا، من باب “حرية التعبير” و”حرية الإعلام” و”الحريات الفردية والشخصية”، وما إلى ذلك من أدبيات البهتان والزور، التي باتت مكشوفة، لا تنطلي حتى على أحد مات، بعد كل ما انكشف من عورات في غزة والغزاة.
الجزائر، وهي تصارع من أجل النهوض بعد كبوة، كانت فرنسا وأزلامُها وأذنابها من طابور “حزب فرنسا” الذي كنا نسمع عنه ولا نصدِّق، ونعتبرها من باب “الدعاية” و”لغة الخشب” واستراتيجية “أكتب ثلاث رسائل”، النكتة السياسية السوفياتية الشهيرة، التي تروي، أنه بعد وفاة لينين، ترك 3 رسائل مغلقة لخلَفه، موصيا بفتح الأظرف المرقمة من 1 إلى 3، كلّما تأزمت عليه الأوضاع السياسية. فكان، زمن ما بعد مطالب لينين بما سماه “الاقتصاد السياسي الجديد”. جاء ستالين، وبدأ في تسيير الإرث اللينيني بأزماته العاصفة. فتح أول ظرف بعد أزمة خانقة: كان مكتوبا عليها: “صفِّ محيطك”. فكانت التصفيات. ثم جاءت الأزمة الثانية، وقرأ الرسالة الثانية، كانت تقول “ألقِ كل شيء على ظهري”، فكانت حملة تبرير الإخفاقات وإلقاء اللوم على السلف.. لينين. ثم كانت الأزمة الثالثة والأخيرة: فتح الرسالة، فوجد لينين قد كتب عليها “أكتب 3 رسائل”.
الجزائر، لن تكتب إلا رسالة واحدة.. كتبتها في 1 نوفمبر 1954.