الزراعة في بيوت الجزائريين.. خطوة نحو التوازن البيئي
تحول اهتمام الجزائريين بشكل متزايد مؤخرا، بالزراعة المنزلية، بالرغم من أنها ليست فكرة جديدة على المجتمع الجزائري، فقد كان أجدادنا يعتمدون على خدمة الأرض لتوفير قوت يومهم، خاصة في الأرياف والقرى، قبل أن يتم إعادة إحياء هذه العادة في المدن، لكن بطرق حديثة تتناسب مع ظروف الحياة المعاصرة، من خلال استغلال شرفات المنازل وأسطح البنايات، لزراعة ما يمكن زراعته من خضر وأعشاب وغيرها.
وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية في انتشار الزراعة المنزلية بالمدن الحضرية، من خلال تبادل الأفكار والخبرات عبر تلك المنصات حول أفضل الممارسات الزراعية في العالم، حيث شارك العديد من الجزائريين تجاربهم في زراعة مختلف النباتات، تشجيعا للابتكار والتطوير في طريقة زراعة بعض المنتجات المنزلية، على غرار الطماطم، النعناع، الفلفل، وحتى الفراولة، كما حولت بعض العائلات وربات البيوت اهتمامها لاستغلال المساحات الصغيرة المتاحة في منازلها، سواء كانت شرفات أم حدائق، لزراعة الخضروات وبعض الأنواع من الفواكه، وهو ما اعتبره مختصون تزايدا في الوعي بأهمية الغذاء الصحي والطبيعي، وممارسة هوايات جديدة تعمل على تقليل التوتر والضغط اليومي.
تجارب ناجحة لإنتاج الفواكه الاستوائية
ومن بين الأشخاص الذين قرروا استغلال المساحات الفارغة في منازلهم، سيدة أربعينية تدعى “سمية” تقيم بشقة بأحد أحياء بلدية باب الزوار في العاصمة، كشفت لـ “الشروق” أنها قررت الاهتمام بالنباتات المنزلية كجزء من روتينها اليومي وتحولت إلى هواية مفضلة بعد توقفها عن العمل لظروف صحية، ورغم ضيق مساحة منزلها إلا أنها استطاعت بعد أشهر من ذلك تجربة زراعة البصل بعد ارتفاع أسعاره بطريقة جنونية خلال السنة الماضية، غير أن التجربة أعجبتها لاحقا، وقررت المواصلة بزراعة أنواع مختلفة من الخضروات، مثل الطماطم، الفلفل، والبقدونس، وعبرت محدثتنا عن تجربتها قائلة إنها استمتعت بذلك كثيرا، كما اكتشفت أن طعمها يختلف كثيرا عن الخضروات التي تقتنيها من السوق، بما لأنها خالية من المواد الكيمائية والأسمدة، على حد قوله، وأضافت المتحدثة أن هوايتها الجديدة بعد سنوات من العمل في قطاع التأمينات ساعدها كثيرا على تجاوز أزمتها الصحية.
مهندس فلاحي: الزراعات المنزلية توفر نسبة 50 بالمائة من احتياجات الفرد
وعلى غرار سمية، استطاع “فاتح بن ضيف”، شاب في العقد الثاني من العمر ينحدر من ولاية جيجل ومتحصل على شهادة عليا في مجال المحروقات من جامعة بومرداس، تجربة زراعة بعض الفواكه الاستوائية، منها “البيبنيو”، بعدما نجح في الحصول على نبتة صغيرة من صديق له، وعمل على تكاثرها بمنزله، بعد الاستعانة بمقاطع فيديو من “اليوتيوب” تشرح كيفية الاعتناء بها، وتمكن في وقت قياسي حسب من إنتاج كمية معتبرة من هذه الفاكهة فقط من خلال غرسها بأصص بلاستيكية بساحة منزله، بحسب ما كشفه لنا الشاب قائلا إن التجربة أظهرت نتائجها قدرة هذا النوع من النباتات على النمو والإثمار في المناخ الجزائري.
هواية مهدئة للأعصاب ومساعدة على الاسترخاء
ولم تقتصر هذه التجارب فقط على تحقيق الاكتفاء الغذائي من هذه الفاكهة، بل أصبحت مصدرا للسعادة والاسترخاء للكثيرين، إذ تتيح الزراعة المنزلية فرصة التواصل مع الطبيعة، وتعزيز الصحة النفسية من خلال ممارسة نشاط بدنيٍّ مفيد، والرغبة في الحصول على منتجات صحية خالية من المواد الكيميائية، وهو ما أجمع عليه محدثنا، من خلال تجاربهما أن الزراعة بالمنزل أو الحديقة هي عبارة عن نشاط مريح ومهدئ للأعصاب، فهي تمنح شعورا بالإنجاز والارتباط بالطبيعة.
مستقبل واعد لزراعة الفطريات بالمنزل
في ذات السياق، أشارت المهندسة في العلوم الفلاحية، أمينة مرزوقي، لـ”الشروق”، إلى أهمية الزراعة المنزلية ودورها في تحقيق عائدات مالية للمواطنين الذين يرغبون في استغلال مساحات منازلهم، موضحة أن زراعة الفطريات من بين النماذج الناجحة لهذا النوع من الزراعة في الجزائر، التي تعتبر بحسب المتحدثة فكرة مبتكرة ومربحة، على سبيل المثال فطر عيش الغراب أو ما يعرف بـ “المشروم”. وقالت إن هذا النوع من النباتات يمكن زراعته في المنزل بطرق بسيطة، كما أن لها فوائد اقتصادية كبيرة، وبحسب مرزوقي، هذا النوع من الزراعة لا يتطلب مساحات كبيرة، ويعتمد على مواد بسيطة ومتوفرة بأي منزل مثل القش أو القطن المعالج.
وأفادت بأنه إلى جانب استهلاكها محليا كغذاء غني بالبروتين، يمكن بيع الفطريات في الأسواق أو المطاعم التي تعمل على تقديم وجبات الغذاء العضوي والصحي، نظرا لتزايد الاهتمام بالمنتجات الطبيعية والعضوية، فإن الطلب على الفطريات يزداد يوما بعد يوم، مما يوفر فرصة لتحقيق عائد مادي جيد للراغبين في إنتاج الفطريات بالمنزل.
التشجيع على زراعة الأشجار المثمرة داخل البراميل
وبدوره، أكد عبد المجيد صغيري عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين، على أهمية العودة إلى الزراعات المنزلية، لا سيما على الأسطح والشرفات، والتي تشمل زراعة الخضروات والفواكه وحتى النباتات الطبية والعطرية، مضيفا أن هذه الزراعة، رغم قدمها، تشهد مؤخرا توسعا ملحوظا نتيجة رغبة الكثير من الجزائريين في الحصول على غذاء صحي وخال من المواد الكيميائية.
وأشار صغيري إلى أن هذا النوع من الزراعات شائع في دول آسيوية مثل اليابان والصين، حيث تعتمد تلك الدول ذات الكثافة السكانية العالية على زراعات الأسطح والشرفات للاستفادة من المساحات الصغيرة أمام المنازل، ما يساهم في توفير حوالي 50 بالمائة من الاحتياجات الفردية، ولفت إلى أن زراعة الأسطح تتطلب اتباع شروط محددة لضمان نجاحها، منها عدم وضع التربة مباشرة على الأسطح، واستعمال حاويات خاصة للزراعة، مع إمكانية غرس أشجار مثمرة مثل الليمون والتفاح في براميل زيت سعة 200 لتر، مشيرا إلى إمكانية زراعة النباتات العطرية والطبية، مثل النعناع والكزبرة والبقدونس، والتي تلعب دورا هاما في تلبية احتياجات المطبخ العائلي اليومي.
وكما تطرق المتحدث إلى أهمية اختيار الأصناف الزراعية المناسبة التي تكون مقاومة للجفاف، مثل الخضروات التي تنمو بشكل جيد على الأسطح المعرضة لأشعة الشمس، بالإضافة إلى استخدام بقايا الخشب لتغطية سطح التربة بهدف تقليل التبخر، وضمان نمو النباتات بشكل صحي، وأشار عبد المجيد صغيري إلى أن هناك توجها متزايدا نحو الزراعة المائية في الجزائر، التي تعد بديلا لزراعة النباتات دون تربة، وتعتمد هذه التقنية على استخدام الماء يضاف إليه المغذيات والأسمدة الضرورية لنمو النباتات. وأوضح أن هذا النظام يسهم في الحصول على منتجات زراعية صحية من الخضروات والفواكه، ويمكن تطبيقه لزراعة نباتات ذات استخدام يومي مثل النعناع والبقدونس والسبانخ.