السمنة في الجزائر… أرقام مُقلقة وعلاجات جديدة لمواجهة المرض
لم تعد السّمنة في الجزائر، مجرد مشكلة مرتبطة بزيادة الوزن أو المظهر الخارجي، بل تحولت إلى تحد صحي معقد تتداخل فيه اضطرابات التمثيل الغذائي والأمراض المزمنة والمضاعفات النفسية والوظيفية، وهذا ما تناولته أشغال المؤتمر الدولي الخامس للسمنة والأمراض الأيضية، المنظم بفندق “الشيراتون”، الذي كشف عن معطيات جزائرية جديدة، إلى جانب تطورات علمية واعدة في طرق العلاج والتكفل بالمرض.
في هذا السياق، كشف رئيس الجمعية الجزائرية للسمنة والأمراض الأيضية، عمار طبايبية، عن أرقام تعكس حجم المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة، حيث تصاحبها الإصابة بالسكري بنسبة تصل إلى 40 بالمائة، وارتفاع ضغط الدم بنسبة 49 بالمائة، فضلا عن اضطرابات النوم التي تتجاوز نسبتها 50 بالمائة
11.5 بالمائة من النساء يعانين تكيس المبايض
كما أشار البروفسور طبايبية، إلى أن 11.5 بالمائة من النساء يعانين من متلازمة تكيس المبايض، إذ إن من بين المعطيات التي استأثرت بالاهتمام، نتائج دراسة أجرتها مصلحة الطب الداخلي بالأبيار، شملت 500 شخص يعانون من السمنة المفرطة، تمثل النساء 81 بالمائة من الحالات المستقبلة، فيما تجاوز مؤشر كتلة الجسم لدى هذه الفئة 42 كلغ/م²، ووصل لدى بعض الحالات إلى أكثر من 55 كلغ/م²، في مؤشرات تعكس خطورة السمنة الشديدة وتداعياتها
ولم تقتصر النقاشات على الأرقام والمضاعفات، بل امتدت إلى إعادة النظر في مفهوم العلاج نفسه، فقد حذرت الدكتورة رندة رضا مبروك، المختصة في المناعة والتغذية بجامعة عين شمس المصرية، من أن فقدان الوزن لا يعني بالضرورة التخلص من الدهون فقط، إذ يمكن أن تشكل الكتلة الخالية من الدهون ما بين 24 و30 بالمائة من الوزن المفقود، وهو ما يضع حماية العضلات في صلب الإستراتيجية العلاجية.
وشددت المتحدثة على ضرورة تجاوز الاعتماد على الميزان ومؤشر كتلة الجسم وحدهما، واعتماد تقييم شامل لتركيب الجسم والحالة الغذائية والقدرات الوظيفية والنفسية، مع توفير البروتينات الكافية وممارسة تمارين المقاومة.
النساء أكثر الفئات إصابة بالسمنة المُفرطة في الجزائر
ودعت إلى جعل التغذية العلاجية مرافقة دائمة للعلاج، وليس مجرد حمية مؤقتة تنتهي بمجرد بلوغ الوزن المستهدف.
من جهته، عرض الدكتور حاتم جباس، المختص في جراحة الجهاز الهضمي وجراحة السمنة من تونس، التوجهات الحديثة التي تقوم على الجمع بين الأدوية وجراحة السمنة والتدخلات الغذائية والسلوكية، باعتبار أن التعامل مع المرض لا يمكن أن يستند إلى حل واحد يناسب جميع الحالات. وأوضح أن الأدوية الحديثة قد تلعب دورا قبل الجراحة وبعدها، خاصة عند استعادة الوزن أو استمرار اضطرابات السكري، بينما تظل الجراحة خيارا فعالا في حالات السمنة الشديدة، مع ضرورة المتابعة الطبية والتغذوية على المدى الطويل.
الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا بنكرياسيّة
وفي محور آخر حمل آفاقاً علمية لافتة، استعرض البروفيسور ياسين كيتوني، رئيس مصلحة الطب الداخلي بمستشفى قسنطينة، التطورات البحثية المتعلقة باستخدام الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا بيتا البنكرياسية القادرة على إفراز الأنسولين. وأظهرت بعض التجارب السريرية، بحسبه، إمكانية تحقيق الاستقلال عن حقن الأنسولين لدى مرضى من السكري من النوع الأول، غير أن هذا التقدم لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالرفض المناعي، وسلامة الخلايا المزروعة واستمرارية عملها، فضلاً عن الحاجة إلى تفادي مثبطات المناعة.
ومن جهته، تناول البروفيسور علي لونيسي، رئيس مصلحة الطب الداخلي بالمستشفى الجامعي بتلمسان، تأثير تراكم الدهون على فعالية العلاجات البيولوجية المستخدمة في الأمراض الروماتيزمية، مسلطا الضوء على العلاقة بين السمنة والالتهاب المزمن.
وكشف مختلف المداخلات خلال المؤتمر الدولي الخامس للسمنة والأمراض الأيضية، أن معركة مواجهة السمنة لم تعد تقتصر على خفض الوزن، وإنما أصبحت ترتكز على حماية الأعضاء والكتلة العضلية، والتحكم في الأمراض المصاحبة، وتحسين جودة حياة المريض. كما تؤكد أن مستقبل العلاج يتجه نحو مقاربة متعددة التخصصات، تجمع بين الطب والتغذية والجراحة والدعم النفسي، بما يضمن نتائج أكثر استدامة ويحد من عودة الوزن ومضاعفاته.