العودة للحكومة تنبش جراح الأشقاء الفرقاء في حركة نحناح
فتح التصريح الأخير لرئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، بشأن إمكانية عودة الحركة إلى خيار المشاركة، الباب على مصراعيه أمام العديد التساؤلات. فرئيس “حمس” يعتبر من الصقور في حزب الراحل نحناح، وقد ظل منذ سنوات يرافع لتبرير قرار فض الشراكة مع السلطة، بحكم النتائج التي تم تحقيقها خلال ما يقارب العقدين من الزمن. فما الذي تغير في علاقة حزبه مع السلطة حتى يصدر منه تصريح من هذا القبيل؟ وما خلفيات الاستعداد للعودة لوضع كان مجلس الشورى قد قضى بعدم جدواه؟ وهل لذلك علاقة بعودة جبهة التغيير لحضن الحركة الأم؟ وما جدوى مطالبة سلطاني بالعودة لخيار المشاركة بعد اليوم؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عليها.
أبدى استعداده للعودة لخيار المشاركة
ما الذي تخفيه مغازلة مقري للسلطة؟
ارتبطت فترة رئاسة عبد الرزاق مقري لحركة مجتمع السلم، بتطليق خيار المشاركة في الحكومة، الذي أرساه المؤسس التاريخي للحزب، الراحل محفوظ نحناح في منتصف التسعينيات. وأظهرت المواقف السياسية التي تبنتها الحركة منذ العام 2012، أنها باتت فصيلا من أحزاب المعارضة بعدما كانت جزء لا يتجزأ من تيار المشاركة والموالاة.
اليوم وعلى بعد نحو ثلاثة أشهر من موعد الاستحقاق التشريعي المقبل، يصدر تصريحا من مقري أبدى من خلاله الاستعداد لإمكانية العودة للمشاركة في الحكومة، غير أن هذه العودة مقرونة بجملة من الشروط، من بينها أن تكون تشريعيات أفريل المقبل، نزيهة.
ومعلوم أن من بين المؤاخذات التي سجلها أبناء “حمس” على السلطة خلال فترة تواجدها في الحكومة، قبل أن يتحول هذا التوجه إلى تيار جارف مع موجة ما عرف بـ “الربيع العربي”، هو اتهام السلطة باعتماد نظام “الكوطة” في الانتخابات، بمعنى التلاعب بنتائجها.
توازيا مع ذلك، توقف التيار المعارض للمشاركة عند حصيلة ما يقارب العقدين من عمر هذه التجربة، وخلص إلى أن “المشاركة” كانت شكلية بحكم الحقائب الوزارية التي منحت للحركة، بحيث لم تتقلد ولا حقيبة سيادية واحدة، بينما أسندت لها حقائب تنام على الكثير من القنابل، مثل التجارة، الأشغال العمومية، وحقائب أخرى لا تحمل من الوزارة إلا الاسم.
أما التداعيات فكانت وخيمة من الناحية السياسية، فقد حُمّلت “حمس” الكثير من أوزار السلطة، بما فيها الفشل في تسيير الشأن العام، وفوق ذلك التورّط في قضايا فساد، بحكم أن بعض القطاعات التي شهدت فضائح من هذا القبيل كانت تدار من قبل شخصيات محسوبة عليها.
في ظل هذا التقييم السلبي جاء قرار تطليق المشاركة.. فما الذي تغيّر في العلاقة بين السلطة و”حمس” حتى يعيد مقري طرح هذا التوجّه من جديد؟
أول شرط رفعه مقري لإعادة مد الجسور بين الطرفين، هو ضمان إجراء انتخابات نزيهة، ومعلوم أن القادر على تحقيق هذا الشرط هو السلطة، بحكم سيطرتها على كافة أدوات وآليات العملية الانتخابية من التحضير إلى التنظيم ثم الإعلان عن النتائج.. ما يعني أن الكرة توجد في مرمى السلطة.
ويمكن قراءة ربط “حمس” لفتح صفحة جديدة مع السلطة بمدى شفافية انتخابات أفريل المقبل، بوجود خيط أمل لدى قيادة هذا الحزب في إمكانية تحقيق مستوى معين من النزاهة في الاستحقاق المقبل، لاسيما بعد استحداث هيئة الإشراف على الانتخابات بموجب الدستور المعدل في فيفري 2016، والتي أسندت رئاستها لشخصية محسوبة على التيار الإسلامي، ممثلة في الوزير والدبلوماسي السابق، عبد الوهاب دربال.
ويمكن ربط هذا التوجه أيضا بالحراك الدائر على مستوى الحركة ذاتها، والذي يطبعه ذوبان جبهة التغيير التي يقودها الوزير الأسبق، عبد المجيد مناصرة في الحركة الأم، وكذا “المطاردة الساخنة” التي يمارسها وزير الدولة ورئيس الحركة السابق، أبو جرة سلطان، الذي لم يفوت أية فرصة للدعوة لمراجعة خط “حمس” المكرس منذ العام 2012.
ومن شأن موقف مقري هذا، أن يسحب واحدة من الأوراق التي ظل سلطاني يلعب عليها على مدار السنوات الخمس الأخيرة، مثلما يمكن أن يساهم هذا الموقف أيضا في استمالة نخب الحركة التي خسرت رهان الاستفادة من “ريع” المشاركة.
وإن كان قرار تطليق خيار المشاركة اتخذته مؤسسات الحركة فيما جاءت تصريحات مقري بعد ذلك تعزيزا لهذا التوجه، إلا أن الخوف من انتقام السلطة في ظل تحكمها في كافة مفاصل العملية الانتخابية، من “الحركة” في الاستحقاق المقبل، قد يكون من بين الأسباب التي تقف وراء “خرجة” مقري الأخيرة، التي قد تعكس أيضا خوفا من ضياع الموقف الريادي لـ “حمس” داخل التيار الإسلامي، في ظل بروز منافس يحمل المشروع ذاته، هو “النهضة التاريخية”.
نائب رئيس حركة مجتمع السلم نعمان لعور
عودة “حمس” للحكومة وارد إذا تحققت جملة من الشروط
استغرب نائب رئيس حركة مجتمع السلم، نعمان لعور، وصف البعض تحالفهم مع حركة التغيير، بالتحالف المصلحي أو الانتخابي، مفندا الأمر، ومعتبرا أن الهدف الأسمى هو توحيد الصفوف والعودة لمدرسة الشيخ محفوظ نحناح، فيما لم ير المتحدث في تراجع مقري عن موقف ” الانعزال” عن الحكومة “تراجعا” وإنما هو سياسة جديدة أملتها الظروف وتغير الزمان، لكنه موقف مرتبط، كما قال، بمدى نزاهة التشريعيات المقبلة وبدعوة من الحكومة نفسها، وإلا لن تكون “حمس” واجهة “لتزيين” الحكومة المقبلة، على حد تعبيره.
لماذا جاء تحالف حمس- التغيير في هذا الوقت، وهل هو تحالف انتخابي أم تنظيمي، وهل هناك أبعاد أخرى لهذا التحالف؟
حتى نكون في الصورة، هذا التحالف بدأ منذ أكثر من 3 سنوات، وظهرت ثماره في إطار النقاش. وأؤكد أن هذا التحالف هو عبارة عن وحدة اندماجية أو بعبارة أخرى هو رجوعٌ الذي انشق إلى بيته، ولا يجب أن يُفهم على أنه تحالف انتخابي، وبالخصوص أننا سندفع بقوائم انتخابية واحدة باسم حركة مجتمع السلم.
وفيما يخص الأبعاد الأخرى لهذا الاندماج، فقد تكون في مرحلة أخرى أو في مرحلة مستقبلية. ولكن ما يجب أن يعرفه الجميع أن هدفنا الأساس هو توحيد مدرسة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله عليه.
عبد الرزاق مقري تحدث عن إمكانية العودة للمشاركة في الحكومة بعد التشريعيات.. ماذا يقصد برأيك؟
حتّى نتفق على الفكرة، فمسألة الرجوع للحكومة من عدمها، العبرة منها ليس بأن تكون موجودا في الحكومة، ولكن الأصل في الموضوع، أن تعلم ما الذي تقوم به أو ما الذي ستقدمه للدخول في الحكومة. أو بعبارة أوضح، هل سندخل الحكومة في إطار التحالف أم للتزيين وفقط، وإن كان للغرض الأخير مثلما كان سابقا فنحن لا نريده.
أعتقد أن الأمر يتوقف في نهاية الأمر على نزاهة التشريعيات المقبلة، فالانتخابات المقبلة هي التي تعطي وزنا للمفاوض، وتُظهر أيضا الوزن الحقيقي لكل حزب. وأهم تساؤل علينا طرحه هنا هو، على أي أساس نبني دخولنا للحكومة؟ فإذا كانت الأسس صحيحة وقائمة على تحالف حكومي، حيث تكون هذه الحكومة ممثلة فعلية وحقيقية للشعب، حتما سيكون دخولنا فيها شيء طبيعي، أما إذا كانت الانتخابات مزورة فالصورة تختلف.
وفي نهاية الأمر، القرار الأخير سيكون لمجلس الشورى، وأيضا إذا قُدم لنا عرض، فقد لا يقدم إلينا أي عرض.
شهدت فترة رئاسة مقري للحركة مواقف متشددة بعض الشيء من السلطة. هل عودة الحديث عن المشاركة على لسان مقري أمر معهود، أم هو انعطاف في مواقفه؟
هذا القرار لا يعود لشخص عبد الرزاق مقري لوحده، وإنما هو قرار مبني على سياسة عامة مصادق عليها من طرف مؤسسات الحركة، وعلى رأسها مجلس الشورى.
هل يمكن أن نرى “حمس” طبعة مُقري بوزراء في الحكومة المقبلة؟
هذا تحصيل حاصل إذا كانت هناك مفاوضات طبعا، وحركة مجتمع السلم دائما موجودة في الأوقات الصعبة، ومن أجل العمل على استقرار الوطن. وأود القول إن موضوع تواجدنا في الحكومة ليس غاية أصلا، وإنما نتواجد من أجل برنامج واضح المعالم، وفي حال كانت الأمور تسير بشفافية.. فنحن لسنا بحاجة إلى وزير.
هل تصريح مقري حول المشاركة في الحكومة له علاقة بالدعوات المتكررة لأبي جرة سلطاني، حول مراجعة خط الحركة؟
السيد أبو جرة سلطاني هو الرئيس القديم للحركة، أما الرئيس الجديد فيعتبر هو الناطق الرسمي باسم الحركة، كما أن المواضيع التي تخص الحركة الفصل فيها لا يعود لأشخاص بعينهم، وإنما لمؤسسات الحركة كما ذكرت سابقا.
وفي اعتقادي، يجب أخذ الأمور بأكثر رسمية من طرف الرئيس الحالي، لأن ما يعتقده أبو جرة سلطاني يعتبر وجهة نظره الخاصة وقد تكون صائبة أو خاطئة، ونحن في حركة “حمس” ومن منطلق سياستنا في التداول على المؤسسات، قد تتغير وجهات النظر حسب الرئيس الذي يقدر الأمور من منظوره وحسب الجوّ العام السائد.
نائب رئيس حركة “حمس” السابق عبد الرحمن سعيدي:
واقع البلاد يحتم على الجميع الإقلاع عن الخطاب الراديكالي
اعتبر نائب رئيس حركة مجتمع السلم السابق، عبد الرحمان سعيدي، حديث مقري عن إمكانية العودة إلى خيار المشاركة، تماشيا مع الوضع العام للبلاد، الذي لا يتحمل مزيدا من الخطاب السياسي الراديكالي. وأوضح سعيدي أن مشكل التيار الإسلامي في الجزائر ليس في الزعامة وإنما في البحث عن تموقع أفضل في الساحة بعد التشريعيات المقبلة، مستبعدا أن يكون اندماج “جبهة التغيير” في “حمس” غرضه انتخابيا بحتا.
فاجأ ذوبان جبهة التغيير في حركة مجتمع السلم المتابعين لشؤون الحركة الإسلامية في الجزائر.. في أي سياق يمكن إدراج هذا التطور، هل هو انتخابي أم تنظيمي أم لذلك خلفيات أخرى؟
هذا صحيح، فاندماج “جبهة التغيير” مع “حركة مجتمع السلم” فاجأ الكثير، لا سيما أنه جاء في فترة تميزت بجملة من الظروف، بعضها سياسي وآخر انتخابي، وأمور أخرى ليست في محور حديث الإعلام، إلا أنها كانت موجودة من قبل عبر مساع كانت من الطرفين للتوحد والعودة إلى الحركة الأم، لكن هذا الاندماج في هذه الفترة بالذات جعل البعض يربطه بالتشريعيات المقبلة، ورغبة الكثير من الأحزاب السياسية في عقد تحالفات فيما بينها، لكن الشيء المؤكد هو أنه بعد الانتخابات سوف يظهر كل شيء، وسيتم تفنيد كل ما قيل بخصوص تحالف “جبهة التغيير” و”حمس” وربطه بالانتخابات فقط.
أبدى رئيس الحركة عبد الرزاق مقري ليونة في إمكانية العودة إلى المشاركة في الحكومة بعد التشريعيات. كيف يمكن تفسير ذلك؟
في البداية، يجب معرفة شيء، وهو أن الواقع السياسي لأي دولة يفرض على الفاعلين نمطا معينا في التعامل مع الأحداث، ونفس الشيء بالنسبة إلى الجزائر، فالواقع السياسي يفرض على كل الفاعلين السياسيين الواقعية والموضوعية في التعامل مع المستجدات والأحداث. وبالتالي، يمكن القول إن كل موقف أو خطاب سياسي راديكالي لأي حزب وليس بالتحديد “حركة مجتمع السلم”، سوف يصطدم بالواقع ولا يستمر.
سمعنا تصريحات لرئيس “جبهة التغيير” عبد المجيد مناصرة تحدث فيها عن نصائح تلقاها من أطراف في السلطة تشجع الحركتين على التحالف.. كيف تقرأ ذلك ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
في الحقيقة، أنا فهمت من هذا التصريح أن رئيس “جبهة التغيير” عبد المجيد مناصرة كان يقصد الانقسام الذي وقع بين أبناء الحركة في سنة 2008، وليس التحالف الاندماجي بين الحركتين، الذي أعلن عن ميلاده مؤخرا، لذلك فتصريحات مناصرة مرتبطة بفترة معينة شهدت انقسام مناصرة عن المدرسة الأم، ومحاولات بعض الأطراف في السلطة حينها منع هذا التشتت، من خلال تشجيع الحزبين آنذاك على ضرورة الوحدة.
برأيكم، لماذا اختارت “حركة البناء الوطني” التحالف مع حركتي “النهضة” و”جبهة العدالة والتنمية” دون “حمس” بالرغم من العلاقة التاريخية بين “البناء” و”حمس”؟
بالفعل، “حركة البناء الوطني” هي جزء من مدرسة الشيخ الراحل محفوظ نحناح، وكان يفترض أن يكون التحالف مع “حركة مجتمع السلم”، لكن حدث العكس، لذا فالجواب عن هذا الأمر لدى “حركة البناء” وليس “حمس”، التي تؤكد دائما أن أبوابها مفتوحة أمام جميع أبناء الحركة الإسلامية للوحدة، والنظر إلى مستقبل الجزائر والآفاق القادمة، وليس حصر التحالف في الانتخابات التشريعية.
هناك من يرى أن “حمس” أسرعت إلى عقد تحالف مع “التغيير” خوفا منها على فقدان الريادة الإسلامية بعد أن أعلنت كل من “النهضة” و”البناء” و”جبهة العدالة والتنمية” عما يسمى “النهضة التاريخية”؟
في الحقيقة، إن مشكل الإسلاميين في الوقت الحالي ليس في الريادة وإنما في التموقع، لأن الزعامة لم يعد لها معنى في ظل التطورات التي تشهدها الساحة السياسية، حيث أصبح البحث عن حضور سياسي مقنع، هو ما ينفع في المرحلة المقبلة، فالريادة لم تعد تستهوي الكثير، كالذي يضع في “رأسه ريشة وجسمه عار”.

