الفضة الأرجنتينية
قدّمت الأرجنتين نموذجا اجتماعيا، خلال مشاركتها في كأس العالم، ممزوجا بالأحاسيس التي بدأت تتلاشى في بلاد الغرب، إلى درجة أن منتخبات أوروبية عريقة، صار همّها تحطيم المجتمعات وقتل لُحمة الأسرة، من خلال دعمها للعلاقات الشاذّة وترسيمها، عكس اللاتينيين الذين مازالوا لعائلاتهم أوفياء.
لا يزيد عدد سكان الأرجنتين عن خمسة وأربعين مليون نسمة، ولا تكاد تزيد ثرواتها الباطنية عن معدن الفضة الخالص على وزن اسمها، ولكن حبّ هذه البلاد للعبة كرة القدم والرقيّ بها إلى جامع وموحّد لأبناء البلاد في الداخل والخارج، ظهر من خلال سفر عشرات الآلاف من الأرجنتينيين إلى دولة قطر البعيدة جدا عن أمريكا اللاتينية، ورسمهم لصور التآخي والدعم لجنود منتخب بلادهم، والتمسك بالأسرة من خلال أجواء الاحتفال باللقب مع الأبناء والآباء، في صورة نجمِهم ميسي، وهو محاط بأمّه وزوجته وأبنائه.
قبل منافسة كأس العالم في المكسيك سنة 1986، حاولت الأرجنتين استرجاع جزر المالوين التي تحتلها بريطانيا منذ عقود، غير بعيد عن أراضيها، ولكن بريطانيا ربحت الحرب. بعدها سافرت إنجلترا والأرجنتين إلى المكسيك للتباري على كأس اللعبة التي اخترعها الإنجليز وعشقها الأرجنتينيون حد الجنون، وشاء تألق المنتخبين أن يلتقيا في الدور ربع النهائي، وسافر الأرجنتينيون من جنوب القارة إلى وسطها عبر السيارات والشاحنات، وقرَّروا دعم منتخب بلادهم من أجل تحقيق الفوز، وقالت الصحافة الإنجليزية بعد فوز الأرجنتين بالرغم من ضم بلاد الفضة للنجم الذهبي مارادونا، وبالرغم من هدف مغشوش باليد: “إن الشعب الأرجنتيني غير قابل للترويض، واتحاده يمكن أن يكون نموذجا عالميا”، وهو ما تأكَّد في كأس العالم في قطر، عندما قرر الأرجنتينيون أن يُكرموا لاعبهم ميسي في حياته، بالبذل من أجل تتويجه، كما كرّموا لاعبهم مارادونا في مماته.
لا تعدّ الأرجنتين من البلاد المتطورة في العالم، وهي دون جارتها البرازيل، باقتصاد متذبذب، ولكن تلاحم الشعب والاتحاد من أجل تحقيق الفرح، يبقى من الخصال الراقية التي تبني الأمم، وتمنحها الأمان للسير إلى غاية تحقيق أهدافها.
صحيحٌ أن كرة القدم مجرد لعبة قد يكون شرُّها أشدَّ من خيرها في بعض الوقت وبعض الأماكن، ولكن الرسائل التي حاول ماسونيُّو العصر الحديث تمريرها في دولة قطر، أكدت بأن الذين ظنوا بأن كرة القدم هي مجرد لعبة فقط، خاطئون، وإلا كيف نفسِّر دفاع منتخبات عن الشذوذ باسم “الحرية الفردية”، وإحضار اللاعبين لأسرهم، وتنقّل أكثر من 70 ألف نسمة من بلاد الأرجنتين إلى قطر من أجل انتزاع كأس من أقدام قارة أوروبا وعلى أرض قارة آسيا؟
يقول المثل الأرجنتيني الشائع: “المنزل ذو الأساس الجيّد لا يخاف من أي ريح”، ويقول مثلٌ أرجنتيني آخر: “البيت العائلي أحسن من قلعة لدى شخص آخر”، وواضحٌ بـأن الأرجنتين فتحت فمها لتقول بينما كمّم الألمانُ وغيرهم من الأوروبيين أفواههم.