-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حين يعود الشتاء في عز الربيع

“الفطيرة”… جزائريون يستحضرون ذاكرة الأجداد

نادية سليماني
  • 298
  • 0
“الفطيرة”… جزائريون يستحضرون ذاكرة الأجداد
ح.م
تعبيرية

يعيش الجزائريون ظاهرة مناخية فريدة هذه الفترة، تميزها الأمطار والثلوج والبرودة الشديدة، رغم أن فصل الربيع غالبا ما يرتبط بالدفء وتفتح الأزهار. وهذا ما يعرف شعبيا بـ”الفطيرة”، وهي فترة تتقلب فيها الأجواء بشكل لافت، فتتناوب الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية مع موجات برد قاسية، وأحيانا تتساقط الثلوج، في مشهد يعيد للأذهان ملامح الشتاء في أيام يفترض أنها ربيعية.
تبقى “الفطيرة” موعدا سنويا يترقبه الجزائريون بحذر وفضول، فهي تذكرهم بأن الفصول لم تعد ثابتة كما كانت، وأن الطبيعة قادرة دائما على مفاجأتهم، حاملة معها بردا متأخرا، وأمطارا ينتظرها الفلاحون، وحنينا إلى زمن كانت فيه قراءة السماء جزءا من تفاصيل الحياة اليومية.

أرمادة: سببها فترة الانتقال بين الفصول

فالأجواء المناخية السائدة حاليا، ذكرت الجزائريين بحسب تعليقاتهم على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بسنوات الثمانينيات والتسعينيات، حين كانت الثلوج تغطي البلاد حتى شهر أفريل. وآخرون تفاؤلوا بعام خير وفلاحة وفيرة، أما البعض فيتوقع ” صيفا حارا قاسيا، وقد يأتي مبكرا” على حد قولهم.
ويجمع الغالبية، على أن الأوضاع المناخية “عادت إلى طبيعتها، وعدنا إلى أجواء الزمن الجميل”.

الفطيرة… تقلبات مناخية في غير أوانها
وبحسب ذاكرتنا الشعبية، تأتي “الفطيرة” عادة في بداية شهر أفريل أو منتصفه، وتمتد من أسبوع إلى عشرة أيام، وقد تصل إلى خمسة عشر يوما بحسب المناطق. وتتميز بانخفاض محسوس في درجات الحرارة، خاصة خلال الليل، مع تساقط معتبر للأمطار، ما يجعلها محطة مناخية استثنائية. وفي هذا السياق، يوضح المختص في الأرصاد الجوية زكي أرمادة، أن هذه التقلبات “مرتبطة باضطرابات جوية عابرة ناتجة عن التقاء كتل هوائية باردة قادمة من الشمال مع أخرى دافئة، ما يؤدي إلى عدم استقرار في الطقس، خاصة خلال فترة الانتقال بين الفصول”.

بين التقويم الفلاحي والتغيرات الحديثة
ويربط كثيرون “الفطيرة” بما يعرف في التقويم الفلاحي الأمازيغي بفترة “برد محروم اللحم”، التي تمتد تقريبا من 30 مارس إلى 13 أفريل. وهي فترة اشتهرت تاريخيا بقسوة بردها، حتى إن الموروث الشعبي يصفها بأنها تصيب الإنسان والحيوان على حد سواء.
ويقول أرمادة، أن التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة جعلت توقيت هذه الظاهرة ومدتها أقل استقرارا، حيث قد تتأخر أو تتقدم، بل وقد تشتد حدتها في بعض المواسم.
ولا تقتصر “الفطيرة” على اسم واحد، بل تختلف تسميتها عبر مناطق الوطن، في دلالة على عمق حضورها في الثقافة الشعبية. ففي الوسط والشرق تعرف بـ”الفطيرة” أو “الفطاير”، بينما يطلق عليها في الغرب اسم “النطح”، في إشارة إلى سرعة نمو النباتات خلالها.
كما تعرف أيضا بـ”الحسوم”، وهي تسمية وردت في التراث الديني، وبـ”برد محروم اللحم”، في تعبير عن شدة قسوتها. وفي تلمسان تسمى “الخميسية”، لارتباطها بحسابات فلاحية تقليدية. أما في الأمازيغية، فتتنوع تسمياتها بين “أحيان” و”أحڨان” و”لفطيرث”.

أمثال شعبية تختزل التجربة
وحملت الذاكرة الشعبية العديد من الأمثال التي توثق لهذه الفترة، بحسب المختص في الأرصاد الجوية، من بينها “كي تخلاص الفطيرة ما يبقى للبرد طيرة”، في إشارة إلى نهايتها كآخر موجة برد في الموسم.
ومثل شعبي آخر “الشتا تاع يبرير تجبد السبولة من قاع البير”، تعبيرا عن أهمية أمطار أفريل في إنعاش المحاصيل الزراعية.
وتبرز هذه الأمثال ارتباط الجزائريين بالطبيعة وملاحظتهم الدقيقة لتحولاتها.

طقوس الأجداد بين الحذر والتفاؤل
لم تكن “الفطيرة” مجرد ظاهرة مناخية، بل ارتبطت أيضا بعادات وتقاليد متوارثة، حيث كان الأجداد يتوقفون عن سقي بساتينهم خلال هذه الفترة، ويحرصون على حماية ماشيتهم من البرد.
كما كانوا يجمعون مياه الأمطار في أوان خاصة، اعتقادا ببركتها وتفاؤلا بموسم فلاحي جيد، في ممارسات تعكس انسجام الإنسان مع محيطه الطبيعي.
واليوم، ورغم تطور وسائل الرصد الجوي، لا تزال “الفطيرة” تحافظ على مكانتها في ذاكرتنا الاجتماعية، كظاهرة تجمع بين التفسير العلمي والموروث الشعبي. وبينما يفسرها المختصون كحالة طبيعية من تقلبات الطقس، يراها المواطنون امتدادا لذاكرة جماعية تؤكد أن الطبيعة لا تسير دائما وفق التوقعات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!