-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللغة العربيّة والفنّ

بقلم: علي خفيف
  • 25
  • 0
اللغة العربيّة والفنّ

حدّثني الصّديق الأستاذ الدّكتور يوسف وغليسي عن طريقة تدريسه مادّةَ العروض، التي تتضـمّن الأوزانَ الشّعريّةَ العربيّة، من خلال الأغاني، حيث يختار قصيدةً مُغَــنّاةً أو مجـموعةً من الأغاني الفصيحة، بصوت فنّانٍ مشهور، للتـمثيل لكلِّ بحر من البحور الشّعريّة، فكان عِوَضَ إعطاءِ الشّواهد الشعريّة عن كلّ بحرٍ شعريّ، من بطون كتب العروض الكثيرة، التي يـعتـمد عليها أساتذةُ اللغة العربيّة حين يدرِّسون قواعد الشّعر والأوزان الخليليّة، يُقدِّمُ للطّلبة أغنيَةً فصيحةً موزونةً على البحر الشعريّ الـمراد دراسته، يختارها بذائقةٍ مرهفةٍ عاليةً -وهو شاعر مرهف قدير قبل أن يكون أستاذا-  يسـمعـها الطّلبةُ ويتفاعلون معها ويردِّدونها جـماعيًا عدَّةَ مرّات..

قال لي الأستاذ يوسف وغليسي أنّه كان يجد اهـتمامًا مثاليًا بترديد الطّلبة للقصيدة “الأغنية” وحفظ أبياتها، التي تَرْسَخُ في أذهانـهم باعتبارها شواهدَ عروضيّةً، وبذلك يربطون كلَّ بحرٍ شعريّ بأغنية جميلة عذبةٍ، سهلةِ الحفظ، يتّـخذونها شاهدًا فنّيًا جـميلًا، يساعدهم كثيرًا على حفظ البحور الخليليّة.

بالوقوف على هذه التّجربة في التّدريس، نلاحظُ أنّ الأستاذ يوسف وغليسي بذكائه وذائقته الـمرهفة، حبَّبَ مادّةَ العروض للطّلبة من خلال الأغاني والفنّ، رغم أن كثيرا من الطّلّاب يعتبرون هذه الـمادّةَ جافًّةً وصعبةً، وقد سـمعتُ من بعضهم ذلك شخصيًا، حيث أنني درّستُ هذه الـمادّةَ سنواتٍ عديدة..

سقتُ هذه التّجربة، لأنقل من خلالها أسلوبًا مثاليًا في خدمة اللغة العربيّة، وتقريبها من عامّة النّاس وتحبيبهم فيها، ونشرِها في الأوساط الشعبيّة العريضة، إذ على الـمهتـمّين بالتخطيط اللغوي لـخدمة اللغة العربيّة أن ينتبهوا لأهـمّية الفنّ بجميع أشكاله، في تقريب اللغة العربيّة من عامّة النّاس، وجعلها لغةً شعبيّةً، بدَلًا من أن تكون لغةَ نخبويةً، تَحْجِزُ نفسَها في الـمكاتب والـمدارس والـمدرّجات الجامعيّة وقاعات التحرير والمحاضرات الرّسميّة.. فالنّاس يسهل عليهم أن يتداولوا النصوصَ الجميلةَ الـمُغنّاة، فـهم يتداولون برغبةٍ وشغف، وعلى نطاقٍ واسع قصائدَ نزار قبّاني الـمُغنّاة، التي غنّاها عبد الحليم حافظ أو أمّ كلثوم أو فيروز أو نجاة الصّغيرة أو ماجدة الرّومي أو أصالة أو كاظم السّاهر وغيرهم، أكثر من أن يقرأوا قصائده مكتوبةً في بطون دواوينه الكثيرة، ولعلّ الأمر لا يحتاج إلى دليل، إذا قلنا أنّ كثيرًا من النّاس عرفوا “قارئة الفنجان” وحفظوها وشغفوا بها، باعتبارها أغنيةً غنّاها عبد الحليم حافظ، قبل أن يعرفوا أنّـها قصيدةٌ لنزار قبّاني، ولو لم يغنِّها عبد الحليم لبقيتْ مـهجورةً خاملةً بين صفحات الكتب، ولـما كان لـها الصّدى الذي عرفتْه بعد أن غنّاها عبد الحليم حافظ، وينسحب الأمر نفسه على قصيدة “رسالة من تحت الماء” التي غنّاها عبد الحليم أيضًا، أو قصيدة “رسالة إلى جمال عبد النّاصر” التي غنّتها أم كلثوم، أو قصيدة “عَلَّــمَني حُـبُّـكِ” التي غنّاها كاظم السّاهر، أو قصيدة “بيروت” وقصيدة “مع الجريدة” اللَّتيْن غنّتْهـما ماجدة الرّومي، وغير ذلك من القصائد كثير..

لقد قرأتُ لنزار قبّاني يومًا، أنّه قال في أحد حواراته، عندما سئل: بماذا حقَّقتَ هذه الشهرةَ الاستثنائيّة في الوطن العربي كلّه؟ فقال -في ما معناه- أنَّه اخترع لغةً ثالثةً، بين اللغة العربيّة الفصحى العالـمة وبين العامّية الشّعبية..

لقد استعمل نزار لغةً واقعيّةً، فصيحةً وسليمةً، إلّا أنّ ما يـميِّزها أكثر هو أنها لغةٌ قريبة من نبض الجماهير وواقعِها، وتعبّر على مشاعر النّاس ويومياتهم.. ولعلّه السبب في تنافس أكبرِ الفنّانين وأشهرِهم في الوطن العربي على غناء قصائده، الأمر الذي أدّى إلى تداول أشعاره بعد ذلك على نطاق واسع.. ولذلك كان يقول مفتخرًا، أنّه جعل شعره كالخبز اليومي الذي لا يستغني عنه أحدٌ فـي العالَم العربيّ.. ولا شكّ أنّ الفنَّ أيضًا بالنسبة للـجـماهير العريضة كالخبز اليومي والأكسجين الذي لا يستغني عنه أحد، ويَا لَـحَـظَّ من حَمَـلَ الفنُّ أشعارَه إلى الـجماهير..

ويُشْبِهُ نزار قباني في هذه الخصوصية الفنّية، التي تساعد على تداول اللغة العربية بين الجماهير، الشاعرُ سليمان جوادي عندنا في الجزائر، إذ أنّ سلاسةَ وعذوبةَ الألفاظ والعبارات وقربَها من الواقع في قصائده، مكَّن لـها لأن تتحوّل إلى أغانٍ شعبيّةٍ واسعةِ الانتشار، تتغنّى بها الجماهير الواسعةُ، فلا أحد يثقلُ عليه أن يحفظ أغنيةً جميلةً ويردِّدُها، مثل أغنية:

ما قيمةُ الدنيا وما مقدارُها.. إن غِـبْـتَ عني وافتقدتُ هَــواكا

ما قيمة الأزهار حين ألـمُّها.. ما قيمة الأشياء دون لقاكا

أدمنتُ حبَّك هل ترى يا ظالمي.. أدمنتَ تعذيبي فطال جفاكا

أو مثل:

لَخِّصْ حديثَـك واختصِرْ.. ودع التّردّدَ والحذرْ

قل ما أردتَ فإنّ لي.. قلبًا على البلوى فُـطِرْ

أنا لستُ أوّلَ من يُهانُ.. ولستُ أوّلَ من غُدِرْ

أو مثل:

تفضّلي يا آنسة.. يا أمَّ العيونِ النّاعسة

تفضلي ودردشي.. ونكّــــتي يا آنسة

كوني في عيني طفلةً.. ساذجةً في السادسة

إنّ هذه القصائد –ومثيلاتِها- جميلةٌ ولغتُها سهلةٌ، تساعِدُ الجماهيرَ الواسعةَ على تلقّفها وترديدها وحفظها، لعذوبتها، وهي تساعد بلا شكّ على تـقريب اللغة العربيّة من الفئات العريضة للشعب وتحبيبِها فيها، فـتَـتـرنَّـمُ بـها النساء في البيوت، ويردِّدها الـمراهقون والشباب، ويترنَّم بها الرّجال لتزجية أوقات الفراغ، ولتعديل الـمزاج وإشباع الذّائقة الفنّية لديهم.

يقول الأستاذ عبد الملك مرتاض عن سليمان جوّادي أنّه حقّق شهرةً واسعةً بسبب الغناء الذي حَـظِيَ به شعرُه، وهي خاصيّة استأثر بها دون غيره من الشعراء. ويمكن أن نستنتج من هذه الـملاحظة التي أبداها الأستاذ مرتاض، في كتابه “معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين” أن الشّاعر سليمان جوادي، يُعتَـبَـرُ من الـمنظور البراغـماتي، من أكثر الشعراء الجزائريين خدمةً للغة العربيّة، لأنّه أوصل نصوصها إلى التّداول عند أوسع الشّرائح الاجتماعيّة، بالإضافة إلى أنّه ارتقى بالذّوق الشعبي وهذَّبَـهُ، وأبطل فكرة أنّ النّاس لا يتذوَّقون إلّا الغناءَ المُـبْتَـذَل، فقد غنّى له الفنّان مـحـمّد بوليفة وغيره قصائدَ فصيحةً جميلةً وعذبةً، ظلّت تتردّد في كلّ وسائل الإعلام، وعلى كلّ الألسنة.

إنّ ما يقال عن تقريبِ الغناءِ للغةِ العربيّة الفصحى من الشّرائح العريضة للنّاس يقال أيضًا عن السينِما وعن الـمسرح وعن الرّسوم الـمتحرّكة، وعن باقي الفنون ذات الاستهلاك الواسع، فلا يخفى على أحد أن فيلما مثل “الرّسالة”، مثلًا، شَاهَـدَتْه الـمئاتُ من الـملايين، ولكونه باللغة العربيّة الفصحى، فإنَّ عشرات الـملايين من النّاس قد عِـلِـقَـتْ بأذهانـها عباراتٌ عربيّةٌ نطقتْ بها شخصياتُ الفيلم، وأذكر شخصيًا أنّنا كنّا صغارًا في السنوات الأولى التي عُرِض فيها الفيلم، وكنّا نعيد تمثيل بعض أدواره في الأحياء والشّوارع، منقسمين إلى مسلـمين وكفّارٍ مازحين، وكنّا نردِّد بعض عباراته مقلِّدين الـمـمثِّلين، وكان التلفزيون الـجزائري يعيد عَـرضَه في كلّ مناسبةٍ دينيّة، ومازال يفعل ذلك إلى اليوم، وغَـنِيٌّ عن الذّكر أنّ نصًّا(فيلما) باللغة العربيّة الفصحى واسع الاستهلاك مثل هذا يخدم اللغة العربيّة كثيرا..

ولا شكّ فإنّ أفلاما كثيرةً أُنْجِـزَتْ باللغة العربيّة الفصحى، ستظلّ تَخْـدِمُ اللغةَ العربيّةَ، ما بقيتْ الـجماهير تُعيد مشاهدتَها باستمرار، لقيمتها الفنيّة والتّاريخيّة، ويمكن أن نذكر من هذه الأفلام والمسلسلات التّاريخيّة التي يعرفها الـمشاهد العربيّ، على سبيل الـمثال لا الحصر: الزير سالم، عنترة بن شدّاد، عمر بن الخطّاب، عـمر بن عبد العزيز، هارون الرّشيد، يوسف الصدّيق (مترجم إلى العربيّة)، ثلاثية الأندلس (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف)، الشِّيخ بوعـمامة، عـمر الـختار، عذراء الجبل، الثلاثية الدرامية السورية (الجوارح، الكواسر، البواسل) وغيرها كثير..

لا شكّ أنّ هذه المسلسلات قد أوصلتْ اللغةَ العربيّةَ إلى جميع البيوت في كل أنحاء العالَم الإسلامي..

وإذا أردنا أن نأخذ مثالًا آخر واضِحًا على دَوْرِ الفنّ في خدمة اللغة، فإنّه لا أحد يخفى عليه الصدى الإعلامي والثقافي الذي صنعته السينما الـمصريّة، والفن الـمصري بصفة عامّة، في الترويج اللغوي والثقافي والسيّاحي للشقيقة مصر –مثلاً- في سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الـماضي، حتى أنّ اللّـهجَةَ الـمصريّةَ أصبحتْ أكثرَ اللهجات قربًا من الـجماهير العربيّة.

وإذا أردنا مثالًا آخر في الـموضوع من وَطَـنـِنَا، ومرتبطا بجيلنا، فإننا جميعًا أَحْـبَـبْـنَا اللهـجةَ الجيجليّةَ الجميلةَ، وأصبحنا نَـتَــنَـدَّرُ بـها ناطقين حرف القاف كافًا، في مثل جملة: “كاتلينكن كاتلينكم”، وذلك بعد أن نشرَ التلفزيون الجزائري تلك السلسلة الجميلة من أفلام “الـمفتّش الطّاهر”، التي استطاع من خلالها البطل “الـمفتش الطاهر” ومساعدُه “لابرانتي” رحـمهـما الله، تعـريفَ كل الجزائريين باللكنة الجيجلية وتَـحْـبِـيـبَـهُـمْ فيها، بعد أن حظيَـتْ أفلامُهم بشعبيّة واسعة، أصبحتْ تـُمثِّل نواةً رائعةً للسينما الكوميديّة الشعبيّة.

في الـمحصِّلة: إنّه على المهتمّين بالتخطيط اللغوي، من أجل خدمة اللغة العربيّة، أن يخرجوها من بطونِ الكتب وضيقِ الاستعـمالاتِ التقليديّة الـمحدودةِ، إلـى فضاءات الحياة وآفاقها الأوسع.. إلـى الأغاني والأناشيد في قاعات الاحتفالات، وإلى قاعات العرض السينمائي والـمسرحي، وإلى مواقع التواصل الاجـتماعي وعالَـمِ الـمـؤثِّرين، ونصوصِ الإشهار، وإلى الـمدرّجات الرّياضيّة، في التّعاليق والهتافات وأهازيج الـملاعب، وإلى الصور المُـتحرِّكةِ وبرامجِ الأطفال، وغيرها من الفنون..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!