المحتاجون إلى تعديل!
جاء الإعلان عن قرب إنشاء لجنة قانونية لدراسة تعديل الدستور بمثابة الفرج للمرعوبين من إمكانية حدوث العكس، كما أن بقاء الإعلان حتى هذه اللحظة مجرد تسريب إعلامي دون تأكيده أو نفيه.تزامن مع ظرف حساس ميزته الأساسية خفوت الأصوات المنادية بالتعديل، وتراجع الحدث إلى الأولوية الثانية بعدما كان الأول على طول الخط، إلى درجة ألغى معها المهتمون بالأمر والمستفيدون منه مشاغلهم ومشاغل الناس حتى يضبطوا عقارب الساعة على التوقيت المنتظر! منذ البداية كانت معركة تعديل الدستور حربا صامتة لا نعرف اللاعبين الأساسيين فيها ولا البدلاء، ويخطئ كثيرا من يعتقد أن الآفلان هو من أعطى إشارة بدايتها، حتى وإن كان الأمر متعلقا بحزب الأغلبية، ناهيك عن أن المقتنعين بالقول إن الضجيج الذي ارتفع صوته حول التعديل ساهم في نقل القضية إلى الشارع هم في الحقيقة لا يعرفون شيئا عن هذا الشارع وتوجهاته، فمنذ متى كان المواطنون في غالبيتهم القصوى يؤمنون بتلك المنظمات الجماهيرية والأحزاب التي ساهمت في رفع نسبة المقاطعين للانتخابات بشكل منظم وغير مسبوق، كما أن الرئيس نفسه يعلم جيدا أنه سيكون قريبا من هذا الشعب كلما ابتعد عن تلك الأصوات التي تطبل له زورا وتملقا، والجميع يذكر كيف ساهم الإجماع حوله قبل تسع سنوات من طرف المشبوهين سياسيا وتنظيميا في تشويه جانب مهم من صورته كمرشح، كما أن الإجماع ذاته الذي حصل حول ميثاقه للسلم والمصالحة، حتى من طرف أولئك الاستئصالين بالفطرة، أسّس بشكل مباشر لعقدة الثقة اتجاه المبادرة برمتها!الخطير في أمر ما يحدث هذه الأيام من أحداث سياسية وأمنية متلاحقة ليس سببه التعديل، لكن في ذلك اللغط المثار حوله والغبار المحيط به، إلى درجة أصبح المواطنون البسطاء مدركين فيها أن أمر الرئاسة عندنا باتت تحكمه المتغيرات الدولية أيضا، وأصبح للسفارة الأمريكية وشقيقتها (في الحرب) البريطانية دور لم نكن نسمع به من قبل إلا في مصر والمغرب وبعض إمارات الخليج، لكن أن يحاول هؤلاء خطف القرار الوطني السيد والسطو عليه في وضح النهار بحجة الانفتاح على المجتمع المدني هو بمثابة العام حرب سياسية لوأد للديمقراطية الوطنية واستبدالها بديمقراطية أمريكية على المقاس!المحتاجون إلى التعديل في هذا البلد كثيرون، بدءا من الطبقة السياسية المفتقدة للنضال الحقيقي، ووصولا إلى جهات التسيير والتنظيم وأهل الحل والربط في الإدارات والوزارات، هؤلاء يحتاجون إلى تعديل سريع في البرمجة ليصبح بعدها التعديل في الدستور والتمديد في الحكم مطلبا شعبيا عفويا لا يحتاج إلى مهرجانات وبيانات مساندة!