-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أقواس

المعلم: موت الأسطورة الحية

أمين الزاوي
  • 6583
  • 25
المعلم: موت الأسطورة الحية

كلنا كان لنا معلم ذات يوم، جميعنا يملك صورة نائمة في ذهنه عن معلمه، وما سأرويه لكم عن معلمي الأول لن يختلف عما عرفتموه أنتم أيضا عن معلمكم، هي الصور التي تلاحقنا كظلنا، قد تختفي، تصغر أو تكبر ولكنها لا تلبث أن تعود.

  • قم للمعلم وفه التبجيلا… هكذا يقول خطابنا الأعمى
  • … مع أن معلمي كان ذا قامة قصيرة إلا أنني كنت أراه، وكذا كان يراه، دون شك، جميع من حولي، طويلا طويلا، أطول رجال القرية جميعهم، ربما العلم الكثير الذي كان في رأسه هو الذي كان يزيد في قامته نصف متر أو أكثر، لا يمكن أن يوجد معلم بقامة قصيرة، لأنه قادر على قطف النجوم من السماء بيديه واحدة واحدة دون ركوب سُلَّم!! كان لمعلمي اسم هو السي حميد. اسم جميل، أليس كذلك؟ كان معلمي يسكن القرية كما يسكنها الجميع، وأشهد أني دخلت بيوتا كثيرة أعرف أهلها ولا أعرفهم، ولكن دخول بيت معلمي كان من المستحيلات، لكم تمنيت أن أدخله وما دخلته يوما، لست أدري لماذا، فمنزل معلمي الأول كان فضاء مقدسا، ولم أتجرأ في يوم من الأيام الاقتراب من عتبته، حتى في أيام عطلة الصيف الطويلة التي كانت تبتدئ من نهاية جوان لتمتد حتى أول أكتوبر، حيث كان يغيب لمدة ما، لم أكن قادرا على المرور بالقرب من عتبة هذا المنزل الخالي. كان معلمي الأول أكثر رجال القرية وسامة، إذ لا يمكنني أن أتخيل رجلا آخر في قريتي أو في القرى المجاورة يضاهيه في الأناقة، ما كان يلبسه لا يلبسه أحد، لست أدري من أين ولا كيف كان يختار هندامه البسيط ولكنه الأجمل دائما، شعر مصفف بعناية بفرقة مائلة إلى اليمين قليلا، كنت لا تراه إلا بقميص أبيض ثلجي ناصع نظيف وربطة عنق بعقدة كلاسيكية صغيرة، بالمناسبة هو الوحيد الذي كان يعرف كي تعقد ربطة العنق، كان بعض رجال القرية من اليد العاملة المهاجرة في فرنسا يجيئونه الليلة التي تسبق يوم سفرهم ليربط لهم ربطات عنقهم، كانت يده ساحرة، أول نظارة رأيتها فوق أرنبة أنف إنسان كانت نظارة معلمي وكانت أرنبة أنفه التي لا تشبه أرنبة أخرى. ومنذ تلك الفترة ارتبطت بذهني صورة النظارة بوجه المعلم، كانت لنا مقهى في القرية يديرها رجل لا أعرفه إلا من خلف الكونتوار، هو الآخر كان على قدر من النظافة والأناقة، لكنها أقل من تلك التي يتمتع بها معلمي الأول. كنت أحب المقهى ولكني لم أتخط يوما عتبته لأنني حاولت مرة فواجهني صاحب المحل بجملة لا تزال ترن في أذني: اخرج وإلا سأخبر المعلم بأنك تقضي وقتك في المقهى. من يومها لم أدخل هذا المكان، ولا زلت حتى الآن لا أحب المقاهي وأعتبر الجلوس فيها ضياعا للوقت. لم تكن لي الجرأة على المشي في شارع يمشي فيه معلمي، وإذا ما حدث وأن صادفته فيه أغير الرصيف فورا أو أنسحب إلى شارع آخر، كان وجوده يثير فينا إحساسا بالخوف، لم يكن خوفا بل هو الرهبة والاحترام والتقدير. حاولت مرة أن أدخن سيجارة كما جميع الأطفال تسحرهم السيجارة، لكن أمي تشممت رائحة التبغ في فمي فأمسكتني بعنف من شعري قائلة بغضب: سأخبر أباك لينقل ذلك للمعلم، أُقْسِمُ، بأنه ومنذئذ إلى الآن لم أدخن سيجارة في حياتي. لم أكن أعرف كيف يتسوق معلمي ولا كيف يأكل ولا ماذا يأكل ولكني كنت متيقنا أنه يأكل أحسن منا جميعا ويتسوق من سوق غير السوق الذي منه يتسوق والدي، مع أنه لم يكن يغادر القرية أبدا، لم يكن بحاجة إلى مساعدة أحد بل جميع سكان القرية هم الذين كانوا بحاجة إلى مساعداته وكان لا يتخلف ولا يتردد.
  • اليوم مع أننا محاصرون بعشرات المدارس، التي لا تشبه المدارس في شيء، إنها بنايات من خرسانة مسلحة باردة تشبه في شكلها الحيوانات الخرافية، دون روح، لم تعد قاعة الدرس تلك الغرفة التي كانت تدهشنا بأرضيتها المصنوعة من رخام أو خزف بأشكال تشبه أشكال لعبة الدومينو وبلونين الأبيض والأسود، وما عادت النافذة نافذة توحي بأفق مختلف عن داخل سلطانُه المعلم، والطباشير لم يعد طباشيرا فقد فَقًد ألوانه التي كانت بيضاء وحمراء وصفراء وخضراء ووردية، والسبورة السوداء ما عادت سوداء وما عادت قادرة على الإبهار والإدهاش بتغيير كتابة التاريخ اليومي في الأعلى بخط جميل، بالعربية كان أو بالفرنسية، الخط الجميل توارى. والدفاتر المدرسية ذات 12 أو 24 أو 48 صفحة بجدول العمليات الحسابية الثلاثة مطبوعة على الصفحة الأخيرة من الغلاف اختفت لتحل محلها الآلات الحاسبة الصينية، ودفاتر الاختبار ذات الغلاف الجلدي الأحمر والتي كانت حين توزع علينا مرة كل ثلاثة أشهر تثير فيّ ألما في البطن، ما عاد لها ذلك المكان في الخزانة السحرية التي كنت أتمنى أن أطل على محتوياتها ذات يوم، كان الأمر مستحيلا، فوحده المعلم كان يخرج مفتاحا صغيرا من جيبه فيعالج القفل ويخرج الدفاتر وممحاة السبورة التي كنا نتداول عليها كل يوم، لكل واحد منا دوره في محو السبورة، كنت أفرح حين يجيء دوري، لأنني كنت أجد في غبار الطباشير نكهة خاصة. والكتب المدرسية التي كانت تثيرنا بنصوصها ورسومها وألوانها، بهتت، سقط منها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ولافونتين والبحتري وطه حسين ومي زيادة وجورجي زيدان وأبو القاسم الشابي وفيكتور هيغو وزولا والمنفلوطي… جميعهم غادروا الكتب المدرسية التي امتلأت بنصوص الوعيد والتهديد والأيديولوجيا باردة المفاصل، اليوم أقرأ عشرات التقارير التي تقول بأننا لنا ربع مليون معلم ولكني لا أشاهد واحدا من هذا الربع مليون، لم ألتق بواحد من هذا الجيش العرمرم، لقد فقد المعلم ربطة عنقه الجميلة على قميص أبيض وعوضه بأي شيء أو لا شيء واستبدل زوج حذائه الأسود الملمع بعناية بحذاء رياضي أو نعل مطاطي يجره في رجليه جرا، وأصبح هذا الذي يسمى معلما في حاجة لمساعدة الجميع ولم يعد الناس في حاجة إليه، وأظلمت القرى وسادت الفوضى
  • مع كل دخول مدرسي أو نهاية سنة دراسية أقول: لقد ماتت الأسطورة الحية، مات المعلم. فمن يا ترى يستطيع، ذات يوم، بعث هذه الفينيقس من رماده؟
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
25
  • Abdellah El-Antri

    ربما لا تزال هذه هي صورة المعلم عند التلاميذ إلا أننا كبرنا على أن نراها كما نراها، كما أننا لا نستعد للعيد بنفس البهجة، و لا نلعب و لا نمرح ...رغم أني كنت تلميذا متفوقا إلا أن هناك معلمين أحببتهم و احترمتهم و اخرين بغضتهم و كرهتهم.. و لحد الساعة أظن أن هناك من يستحق الاحترام و هناك من لا يستحقه..و من لا يتق الشتم شتم و سيشتم. أرجو النشر هذه المرة؟

  • بدون اسم

    لماذا لانرى حتى الأن سياسة تأمر بالحق وتجاهد الباطل فننمو في ظروف محتشمة كالعفن تفوح منا رائحة التقوى فنزاح للمجهول ويكتب على قبورنا تاريخ ميلادنا في الحاضر مستحيل لأننا ابناء الماضي والوفاةيتطلب لوح عليه خط اسود لو باب عدم الرضا محضور ما دمنا نحيا فأين الحيياء لو واستغفر الله ينتصرون لأنفسهم يكسبون الدنيا لعلهم يجتمعون ويتناظرون تحاملهم اعباءهم فيتقاسمون شتات الموعضة والدين عصمة ووحدة ليس سبب للشر والتهمة خيانة الامانةبراءة السماء والارض فقط

  • بدون اسم

    ذهبت الى الجامعة ابحث عن استتاذ تعبت

  • السبتي

    كنت معلما وسأظل معلما وأرجو أن أبعث يوم القيامة معلما، لأنّ التعليم أقدس رسالة على وجه الأرض أستاذ أمين، فلا تهمني حاجتي إلى الناس ولا حاجة الناس إليّ بقدر ما يسعدني ويملأ قلبي حبورا وسرورا أن ألتقى تلاميذي في أعلى المراتب.
    لكن كلامك عسل مصفّى أستاذ أمين الزاوي

  • jalil adorable

    من قديم الزمان, المعلم معلم وجنيور جنيور, من حق جنيور ان يكون له طموح سياسي,لانه اذكى وادهى منن المعلم, مسكين المعلم ; قد يتحكم في مصيره جنيور ذكي , هيهات ببينهما , سييكتب التارريخ يادكتور

  • larbi

    انا جنيور وعندي الشيفور نهار ليجيني ضييف ( ضيفة ) نببعث الشيفور المرةاالاولئ بركك باه يعرف قيمة الجناير ماهيش كيما قيمة المعلمين

  • hadjlkhdar

    طورا بورا لن يكون المعلم جنيورا

  • janiour

    انا جنيور محترم عندى لوطو ودراهم واكره المعلم فالدم هل يرضيك هذا يا دكتر دانو

  • sara

    راءع داءما راءع يا استاذ امين ذكرتني بمعلمتي التي كانت ترتدي الحايك الجزاءري الاصيل عندما كانت تنزعه داخل المدرسة كانت في قمة الاناقة .

  • faissal

    شكرا لك يا استاد فانت معلمي الاول الدي افتخر به و تفتخر به الجزائر

  • faissal

    شكرا لك يا استاد فانت معلمي الاول الدي افتخر به و تفتخر به الجزائر

  • بدون اسم

    استغفر الله

  • بدون اسم

    اتدري سأاكون دائمة سافرة

  • أبو هشام

    المعلم يمثل قلب الأمة النابض , الذي يعكس كل ما تمر به من أزمات أو ازدهار. فهو الذي سينقل عزة النفس إلى أجيال المستقبل إن كان عزيزا وهو الذي سيبعث الإحباط و اليأس فيهم إن كان يعيش محبطا...كما أنه يمثل الحصن المنيع لوعي الأمة الذي يسارع إليه أعداءها لتحطيمه ليسهل عليهم بث سموم الاجتثاث و الولاء الأعمى لهم...

  • بدون اسم

    ارجو من تكريم لأحمد عيساوي نظرا للمجهودات التاريخية في ميدان الحدث والحديث وتسليط عليه الضوء في العصور الغابرةنشأ وترعرع في مسقط رأسه كما إدعى دعوة الداعية لخلاصه وبراءته من سوء الظن وحسن الترفيه والعزيمة المقبولة بشتى الطوار التربوية والتعليميةوالادبية لقد تكلم فأجاز وصاغ فأمر بالمعروف وناصر النظام والادب وألهم الثقافة بروح ورياضة فكان خير دليل لخير جليس كتاب فتابع العفوية وعفى عن الأخطاء بحسن النية فأوقفه جيل ليتحمل سيرته الذاتية محمل القدوة والسنةالنبوية فرأيناه دائبا مسرورا مسافرا للخير سفير

  • ثائر

    شكرا لك دكتور والله انك لخير ما دمت تذكر معلمك بهذه الكلمات وتصفه بهذه الاوصاف ولكن ما اقوله هو ان القلب لينزف والعين تدمع وافؤاد يتقطع لما ارى ان دكتورنا الكريم يتفضل ويصف معلمه بهذه الاوصاف واقلب صفحات الزمن ليصبح المعلم يوصف بابشع الصفات وما وصفه براع ببعيد عنا من طرف مذيعة حتى لا اقول صحافية لان الصحافي لا يصف معلما كما وصفته ذات يوم صحافيتنا بل مذيعتنا التي هي موقرة الان في المنصب

  • بدون اسم

    اخاف أن تأتي ججماعة لخطبتي فأقبل

  • امحند أدرار

    دائما مقالاتك مثيرة و في الصميم
    شكرا لك يا أديبنا الكبير أمين الزاوي على موضوعاتك و لغتك الساحرة
    إنني اقرأ مقالاتك بمتعة لا مثيل لها
    و السلام

  • بدون اسم

    لماذا زيادة عن اللازم

  • بدون اسم

    je ve cette voiture

  • بدون اسم

    كلامي سلامي

  • صالحة

    بسم الله الرحمان الرحيم.
    رغم مرور الايام و السنوات إلاّ أنني لزلت أحمل لكل من علّمني حبا عميقا و تقديرا كبيرا.
    لأن الاسرة لعبت الدور المنوط بها رغم فقرها لأنها كانت ترى في المعلم و التعليم
    و التعلم ذالك النور الذي ينفي عن النفس ظلمة الجهل و تيقنته غنى و عزة نفس,
    أما العزوف عن طلب العلم مذّلة و هوان, لأنها أرادت أن ترفع بل تقتلع ستائر
    الأمية التى سدلها الإستعمار الغاشم على السواد الأعظم من الشعب الجزائري,
    أمّا الأن فأصبح هّم الكثير الحصول على العلامات بمختلف ا الوسائل دون مراعات المستوى.

  • انور

    واحسرتاه. العين تدمع دما لحال معلمي وأنا أرى سهام الغادرين موجهة صوبه من كل ناحية ولعمري إنها الغيرة العمياء تأكل قلوب المتربصين فكيف لا ومعلمي هو الوحيد مع قلة حافضت على مبادئها ولم تبع قيمها ولم تتورط برشوة أو عمالة أو إختلاس وووو.....وغيرها من مصطلحات العصر التعيس. وصف معلمي بشتى النعوت
    ونسي من وصفه أن ثمن النزاهة والكرامة باهض وقرر معلمي شراء هذه القيم مع علمه أن الثمن مكلف لكن لك الله معلمي ولن أجحد فضلك مهما حاول المغرضون .
    بارك الله فيك سيدي الأمين وبوركت خبرنا السعيد

  • نادية

    انا استاذة ومتأثرة جدا بأساتذتي واحاول ان اسير على دربهم ومشكووووووور جدا

  • ahmed

    كلام اعادني 20 سنة والله مشكور على المقال سي امين افتقدنا كل شئ .