المقاومة إرهابٌ وميليشيات!
كما كان متوقعا تماما، أعاد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على منبر الأمم المتحدة سردَ مواقفه السابقة، فتشبّث بالنهج التفاوضي وحده لإقامة دولةٍ فلسطينية على حدود 1967، متجاهلا كل التطورات التي حدثت في المنطقة، ورفضَ التخلي عن أوسلو والتنسيق الأمني مع الاحتلال والعودة إلى المقاومة…
حدث هذا رغم إجماع الفلسطينيين منذ أيام قليلة بمناسبة الذكرى الـ25 لتوقيع اتفاقية أوسلو، على أنها لم تحقق للفلسطينيين شيئا، العشرات من جولات مفاوضات “السلام” مع الاحتلال الصهيوني أفضت كلها إلى الفشل، واستغلّها العدوّ لتكثيف الاستيطان وقضم المزيد من أراضي الضفة، وكل ذلك كان يجري بحماية الأمن الفلسطيني تحت مسمى “التنسيق الأمني”، والأسوأ من ذلك أن إدارة ترامب اعترفت بأن القدس أضحت عاصمة موحّدة للاحتلال، وأنكرت حق اللاجئين في العودة، وجهّزت “صفقة قرنٍ” تُخرج القدس واللاجئين من دائرة التفاوض وتكتفي بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا في الضفة الغربية و”دولة” في غزة و760 كلم من أراضي سيناء، على أن تكون منزوعة السلاح ويسيطر الاحتلال على أجوائها وحدودها البرية والبحرية، فلماذا يريد عباس العودة إلى مسلسل المفاوضات الماراطوني العبثي إذن؟ وعلى ماذا سيفاوض؟
ما يحزّ في النفس أكثر وعباس يتوسَّل “السلام” ويستجديه على منبر الأمم المتحدة أمام وفود دول العالم، أنه نقل خلافاته مع حماس إلى المنبر الأممي وتوعّد غزة بالمزيد من العقوبات إذا رفضت حماس والفصائل نزع سلاحها كشرط لإتمام المصالحة لأنه لا يريد “دولة ميليشيات”، كما قال إنه لا يريد “العودة إلى الإرهاب” لمواجهة الاحتلال؛ ومعنى هذا أنّ عباس يقدِّم هدية مجانية ثمينة للاحتلال بتبنّي وصفه الشائن للمقاومة الفلسطينية بأنها “إرهابٌ” ومجرد “ميليشيات”.. ويتنكّر لكل تضحيات الشهداء، هل هذا خطابٌ يمكن أن يقود إلى المصالحة بين الفلسطينيين؟!
المقاومة التي يصفها عباس بـ”الإرهاب” هي التي حرّرت غزة بالكامل في أوت 2005 بعد 5 سنوات من مقارعة جيش العدو خلال الانتفاضة الثانية، وأجبرت شارون على سحب جنوده وقطعان مستوطنيه كلهم من القطاع، أما عباس فقد أصرّ على انتهاج المفاوضات سبيلا وحيدا لإقامة “الدولة الفلسطينية” على أراضي 1967، أي على 22 بالمائة فقط من فلسطين التاريخية، وبقي يتوسَّل العدوَّ تحقيقَ هذا الحلم له، ولكن ها هي النتيجة ماثلة للعيان من خلال تفاصيل “صفقة القرن” المُرعبة التي لا تمنحه سوى 2 بالمائة من فلسطين، فلماذا يصرّ عباس على انتهاج الأسلوب التفاوضي نفسه وتكرار الفشل وإعادة تجريب المجرَّب إذا كان سيؤدي إلى النتيجة ذاتها؟!
كنا نأمل أن يقتنع عباس أخيرا أن العدو لا يريد إلا “السلام” الذي يقود الفلسطينيين إلى الاستسلام الكامل له، وأن يختم حياته وهو في هذا العمر بإحداث القطيعة مع المفاوضات العبثية التي دامت ربُع قرن دون طائل، ويعود إلى المقاومة ويتصالح مع فصائلها ويُطلق يدَها في الضفة كما فعل عرفات رحمه الله في سبتمبر 2000، ولكنه أبى إلا أن يتخلّى عن كلّ أوراق الضغط ويعادي المقاومة ويواصل النهجَ التفاوضي العبثي نفسه واستجداءَ عدوّه لمنحه دولة على حدود 67، ليضع بذلك القضية الفلسطينية على كفّ عفريت.