المولد النبوي 2024.. وداعا لحرب “المفرقعات”!
يبدو أن الظرف الاستثنائي لاحتفالات المولد النبوي، التي تزامنت هذه المرة مع بداية الدخول الاجتماعي، والميزانية المرهقة للعائلات الجزائرية، جراء أعباء العطلة الصيفية، وشراء اللوازم المدرسية، كان له الأثر الإيجابي في تراجع سوق المفرقعات، ورواجها بين باعة الأرصفة والأسواق الشعبية، فلم يبق إلا أيام معدودة تفصلنا عن هذه المناسبة الدينية، ولا تظهر مؤشرات حرب الألعاب النارية والمفرقعات، التي لطالما كانت هاجس المجتمع الجزائري من حوادث خطيرة كبدت خسائر مادية وبشرية في السنوات الماضية.
وبوادر مولد نبوي دون خسائر وإصابات بين الأطفال والكبار، بدأت السنة الماضية، إذ أكدت مصالح الحماية المدنية، التراجع الكبير في حوادث احتفالات هذه المناسبة الدينية، من خلال حصيلة التدخلات التي قامت بها ذات المصالح نهاية سبتمبر 2023.
وسجلت الحماية المدنية في السنوات القليلة الماضية، حالات مستعصية لإصابات وسط الأطفال كبتر أحد أصابع اليد أو بعضها، وفقع العين، وحرق شعر الفتيات، وغيرها من مخاطر صحية، ناتجة كلها عن مجازر الألعاب النارية والمفرقعات.
حملات تحسيسية تترك أرثها الإيجابي
وقال الملازم كريم بن حفصي، مكلف بالإعلام والاتصال بالمديرية العامة للحماية المدنية، إن الحملات التحسيسية التي تقوم بها مصالحه، أعطت ثمارها، وتكللت في النهاية بنتائج إيجابية، خاصة أن السنة الماضية لم تسجل الحماية المدنية، سوى 10 تدخلات ليلة الاحتفال بالمولد النبوي، وتمثلت كلها في إخماد حرائق وسط حشائش يابسة وبعض الأشجار، واختصرت هذه التدخلات فقط في بلديات العاصمة، إذ إن الحدث الاستثنائي الوحيد تعلق بسيارة تعرضت في المقرية بحسين داي إلى حريق.
وثمن بن حفصي، الدور الفعال للمجتمع المدني، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، التي حثت الأئمة على لعب دورهم من خلال منابر المساجد، لمواجهة ظاهرة الاستعمال اللاعقلاني للمفرقعات والألعاب النارية ليلة المولد النبوي الشريف، واستمرار حربها لأسبوع كاملا بعد هذه الليلة.
ويرى المتحدث، أن هناك تجاوبا فعليا من طرف الجزائريين مع الحملات التحسيسية التي تأتي كل سنة مع اقتراب الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف. للتذكير، أن المناسبة فرصة للاقتداء بالرسول وذكر سيرته الحميدة، علما أن تضييق مصالح الدرك الوطني على شبكات تجارة المفرقعات كان له أثر في تراجع تداول هذه المواد بين الأطفال، وبيعها من طرف باعة الأرصفة وأصحاب الطاولات.
وتركز الحملات التحسيسية والتوعوية لمصالح الحماية المدنية، على الفئة الأكثر عرضة، وهي فئة الأطفال، وتوجيه غالبية النشاطات التحسيسية لفائدة الشباب عبر المساجد بإلقاء دروس قبل صلاة الجمعة، كما كانت هذه الحملات خلال السنوات الماضية، توجه للتلاميذ في المدارس وللجميع في الساحات العمومية وأماكن بيع المفرقعات.
ولم تأت هذه الحملات من فراغ، فقد كانت نتيجة المخاوف المتزايدة جراء حوادث مأساوية، سجلتها الحماية المدنية، خاصة لدى الأطفال وحرائق تعرض هددت ممتلكات وحياة المواطنين بالخطر إلى جانب حالات الهلع عند الأشخاص المسنين والمرضى والنساء الحوامل.
وبالعودة إلى إحصائيات أكتوبر 2021 الخاصة بحوادث المولد النبوي الشريف، فإن مصالح الحماية المدنية، سجلت ليلة المناسبة، 31 حريقا على مستوى الجزائر العاصمة بسبب استعمال المفرقعات، وقامت بإسعاف شخصين مصابين بحروق وجروح، أحدهما طفل يبلغ من العمر 14 سنة.
كما قامت ذات المصالح، ليلة المولد النبوي، بإخماد 31 حريقا، منها حرائق شبت في المنازل.
وفي أكتوبر سنة 2022، قامت وحدات الحماية المدنية بعدة تدخلات، تزامنت مع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وكانت بسبب استعمال المفرقعات، حيث تم إخماد 9 حرائق في الجزائر العاصمة، منها حريقان في محلات تجارية، وتسجيل إصابة طفل على مستوى العين في ولاية عنابة، وإصابة امرأة على مستوى الأذن بالعاصمة.
متحايلون ينقلون تجارة المفرقعات إلى العالم الافتراضي
وفي ظل تراجع تجارة المفرقعات في شوارع المدن الكبرى كالعاصمة، بالمقارنة بما كانت عليه في سنوات مضت، انتعش هذه الأيام البيع عبر الأنترنت، وذلك باستغلال بعض المتحايلين للفضاء الرقمي بعد التضييق عليهم في أسواق العالم الواقعي، حيث اتضح من خلال صفحات “فايسبوك”، أن هناك كميات لمفرقعات ومن أنواع خطيرة يروج لها، سواء كان البيع بالجملة أم التجزئة.
ورغم كل الحملات الواسعة التي تشنها مصالح الأمن الوطني ضد تجار المفرقعات، وطاولاتهم التي تملأ الأرصفة وأزقة الشوارع الشعبية، إلا أن التجارة الإلكترونية لهذه الألعاب النارية بدأت تروج لأنواع خطيرة أسبوع قبل موعد المولد النبوي الشريف.
واستغل الكثير من التجار منصات التواصل الاجتماعي وصفحاتهم التجارية لبيع المفرقعات والترويج لها، ونشر صور لبعض الأنواع الخطيرة مثل القذائف ذات الانفجار المتعدد، حيث تحدد المناطق التي يتواجد فيها كميات من المفرقعات مثل البليدة وسطيف وتقرت، ووهران، وغيرها من المناطق عبر الوطن.
وفي السياق، قال المنسق الوطني لمنظمة حماية وإرشاد المستهلك الجزائري، فادي تميم، لـ”الشروق”، إن بعض الأشخاص الذين يدخلون المفرقعات بطرق غير شرعية، لم تعد لديهم حرية تسويق هذه المواد الخطيرة مثل السابق، بعد التضييق الذي فرضته مصالح الأمن على مثل هذه الشبكات التي تستغل مناسبة المولد النبوي الشريف للربح غير مشروع.
وأكد أن حملات التوعية واستغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر صور تلك المجازر التي كانت تسببها حرب الألعاب النارية والمفرقعات ليلة ذكرى المولد النبوي، نشرت وعيا اجتماعيا، خاصة أنها باتت متداولة بين الجزائريين ويطلع عليها الأولياء.
ويرى أن الظروف الاستثنائية التي تزامنت مع احتفالات المولد النبوي الشريف، ساهمت في الحد من تجارة المفرقعات، خاصة أن الأدوات المدرسية أصبحت الشغل الشاغل للعائلات، ومصدر ربح موسمي لدى التجار الفوضويين الذين لم يلتفتوا إلى بيع مواد خطيرة قد تعرضهم للخسارة والمطاردة الأمنية.
وأوضح فادي تميم، أن المصاريف التي يواجهها الأولياء هذه الأيام، تغنيهم عن شراء المفرقعات لأبنائهم، خاصة أن الدخول الاجتماعي على الأبواب، وسبقته العطلة الصفية التي أنفق عليها البعض مبالغ مالية تضاف إلى جملة الأعباء المرهقة.
وأكد أن المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك، لاحظت أن المفرقعات لم تعد مطلوبة في الكثير من الاحتفالات، فقد بات “الفيمجان” كألعاب نارية الأكثر استعمالا في الأعراس والمناسبات، ولكن حذر بالمقابل من استعمال بعض الأدوات التقليدية ومزجها مع بعض السوائل، مثل محاولة إثارة اللهب ببخاخة المبيدات.
ودعا المنسق الوطني لمنظمة حماية وإرشاد المستهلك الجزائري، فادي تميم، إلى ضرورة حماية الأطفال من التجارة الإلكترونية للمفرقعات، التي يلجأ إليها بعض المتحايلين الذين يعتقدون أنهم بعيدون عن أعين مصالح الأمن.
وشدد على تجنب رمي المفرقعات على الأشخاص والسيارات أو بالقرب من المستشفيات والمراكز الصحية ومواقف السيارات ومحطات البنزين، والحذر أيضا من الشموع التي قد تكون مصدر نشوب بعض الحرائق ليلة المولد النبوي.
التحذير من بيع مفرقعات على طاولة الأدوات المدرسية
ومن جانبه، حذر رئيس المنظمة الجزائرية للتجارة والاستثمار الاجتماعي، جابر بن سديرة، في تصريح لـ”الشروق”، من استغلال بعض الباعة الفوضويين، تجارة الأدوات المدرسية، لعرض المفرقعات على نفس طاولة البيع، مستغلين إقبال الأطفال عليهم، وهم أحيانا مع أوليائهم، وجعلهم يضطرون، بحسبه، لشراء هذه المواد الخطيرة.
ودعا السلطات إلى التصدي لمثل هؤلاء التجار الذين لا يفصلون بين الأدوات المدرسية والمفرقعات، موضحا أن بعض هذه الألعاب النارية الخطيرة موجود في السوق، وهي مطلوبة في الأعراس واحتفالات “الباك”، والتخرج من الجامعات، حيث من ضروري بحسبه، تقنين هذه التجارة ومنع تداولها بعشوائية في الشوارع، وبيعها للقصر تزامنا مع الدخول الاجتماعي.