المُؤثّر الرقمي… ملايير خارج القانون!
يقومون بدعايات لمنتجات ومؤسسات مختلفة، ويتلقّون الأموال نقدا، دون حسيب ولا رقيب.. هذا قليل من كثير يحدث في عالم المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي بالجزائر، التي أحدثت جدلا في الآونة الأخيرة. فرغم إدراج هذا النشاط في السجل التجاري منذ 2019، إلاّ أنّ الرقابة منعدمة والتنظيم غائب.
عبد اللّوش: المؤثرون أتقنوا الرقمية واستغلوها ماديا
لا تزال ظاهرة المؤثّرين الرقميين في بلادنا تسيل الكثير من الحبر وتطرح العديد من علامات الاستفهام، خاصة أنّ غالبية الناشطين في هذا المجال استغلوا “ضبابية” القوانين المنظمة لهذا النشاط، لجني أموال طائلة من الإشهار بفضل الأرقام الهائلة لمتابعيهم التي وصلت لدى البعض نحو 6 ملايين مشترك، رغم أنّ محتوياتها غير هادفة، بل مجرد استعراض لحياتهم اليومية، فمن يراقب حركة رؤوس الأموال التي يتلقاها المؤثر، خاصة إذا كانت مبالغ طائلة.
“أمّيتنا الرقمية” جعلتنا صيدا سهلا للمؤثرين
غالبية الشركات تجد في المؤثر فرصة ذهبية لترويج بضاعتها، خاصة إذا تعلّق الأمر بمنتجات موجهة إلى فئة الشباب والنساء، من ملابس ومواد تجميل، وعروض تكوين ودراسة، ومراكز تجميل.. ولا تتوانى هذه الشركات في تقديم أموال طائلة للمؤثرين مقابل دقائق معدودة من الإشهار، مع مدح المنتج غير المُجرب أصلا من طرف من يقوم بالدعاية له.
مقراني: تداول أموال طائلة نقدا جريمة يعاقب عليها القانون
وفي هذا الصدد، أكد المختص في الرقمية، عثمان عبد اللوش، في تصريح لـ “الشروق”، أن “المشرع القانوني لم يستطع مواكبة التطور الهائل الحاصل في الرقمنة، كما أنّ مجتمعنا وإدارتنا تعاني أمية رقمية”، ما يجعل الأطفال والشباب يقبلون على أي جديد في الرقمية، دون أن يفقهوا إيجابياته وسلبياته وطريقة التحكم فيه.
وافي: “المؤثر الرقمي” نشاط مقنّن نظريا غير مطبق واقعيا
وقال المختص: “الغالبية لا تعرف أبسط تقنيات الهاتف الذي نملكه في جيوبنا، فما بالك إذا وصل الأمر للتجارة الإلكترونية والتأثير الرقمي، والثراء الإلكتروني والعملة الرقمية..”
ويرى المتحدث بأن المؤثرين انتهزوا فرصة “الجهل الإلكتروني” الحاصل وغياب الرقابة، سواء من الأسرة والمدرسة والسلطة، لعرض بضاعتهم الرقمية، التي جنى منها كثيرون أرباحا طائلة، أو كما قال: “المؤثّرون أعتبرهم مجموعة مراهقين، متحكمين في الرقمنة، استغلوا الفراغ الموجود، واللهفة نحو الجديد، للتأثير في غيرهم إلكترونيا”.
على وسائل الإعلام التّحسيس بخطورة التأثير الرقمي السلبي
ويرى المختص عبد اللّوش بأنّ محاربة الظاهرة يتطلّب تجنّد وسائل الإعلام باختلافها من خلال حصص توعوية وتحسيسية تكشف المستور وتفطّن الأهل لجوانب خفية، مع إبراز الدور الإيجابي للرقمية، وتنظيم تكوينات في الرقمنة للأمهات والأولياء ليسهل عليهم مراقبة أطفالهم.
وحسب عبد اللوش، “لا يعقل أن يتمكن مراهق لم يكمل تعليمه، من التأثير في شاب جامعي وغير جامعي وعائلته، ويقنعهم بالدراسة في الخارج، وكأنّ الدراسة في الخارج أمر سهل ومتاح للجميع.”
المؤثر شريك في الجريمة إذا تلقى أموالا طائلة نقدا
ومن جهته، اعتبر الباحث في الشؤون القانونية، محمد مقراني في تصريح لـ ” الشروق”، أنه عندما تقارن المبالغ الضخمة والامتيازات التي يتم عرضها على بعض “المؤثرين” مقابل الدعاية في “مناشير” أو “ستوريات”، فيمكن التوصل إلى أن هؤلاء “المؤثرين” وفي حال كانت الشركة المعلِنة متورطة في النصب والاحتيال، فالقانون يعتبرهم شركاء في الجريمة المرتكبة باستعمالهم الاحتيال والتدليس على متابعيهم، علما أنّ شريحة واسعة من المتابعين لهؤلاء الناشطين على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، قُصّر، لهذا يمكن الإيقاع بهم بسهولة.
وهو ما رأيناه في قضية الدراسة الوهمية بأوكرانيا، أين يواجه “مؤثرون” تهما تتعلق بالمشاركة في تبييض أموال باستعمال تسهيلات، يمنحها نشاط مبني في إطار جماعة إجرامية منظمة، المشاركة في الاتجار بالأشخاص المرتكبة من طرف جماعة إجرامية منظمة وذات طابع عابر للحدود الوطنية، والمشاركة في مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، وكلها تهم أثبتتها شهادات الضحايا أو صاحب المؤسسة نفسه، الذي أكّد استلام “المؤثرين” مبالغ مالية معتبرة مقابل الإيقاع بمتابعيهم، وهذا ما ينافي التشريع القانوني المعمول به في مراقبة رؤوس الأموال من جهة، وآليات التملص الضريبي من جهة أخرى.
المؤثر رقميا.. نشاط تجاري مقنن
ويؤكد محدثنا أن مصالح وزارة التجارة أدرجت “المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي” في قائمة النشاطات التجارية، وقيّدتهم في السجل التجاري الوطني تحت تصنيف القيد التجاري رقم 617040، مُعرّفة نشاط هؤلاء على أنه نشاط من خلاله يمكن لشخص التعبير عن رأيه أو تقديم نصائح (كتابيا أو سمعيا بصريا) في مجال معين، حسب أسلوب أو طريقة معالجة خاصة به، غير أنّ الكثيرين يمارسون نشاطهم خارج الأطر القانونية، كون المبالغ المصرّح بها في التحقيق ضمن قضية التعليم في أوكرانيا وتركيا هي مبالغ خيالية لا يتم التصريح بها لتجنب دفع الضرائب وتم استلامها نقدا.
وختم قائلا: “الذنب الأول في قضية أوكرانيا، يقع بالدرجة الأولى على أولياء الطلبة الذين لم يقوموا بدورهم الكامل في البحث والاستقصاء، قبل منح أبنائهم الأموال للنصب عليهم من طرف هذه الشركة الوهمية.
وأكّد رئيس المنظمة الوطنية لإرشاد المستهلك وحمايته في التجارة الإلكترونية، خالد وافي في تصريح لـ “الشروق”، أنّ المؤثر على شبكات التواصل الاجتماعي، من “هواة الميديا” وينشط خارج الأطر القانونية.
وأشار وافي إلى أنّ أشخاصا في سن المراهقة والشباب دخلوا هذا المجال للتسلية والضحك فقط، ليتفاجؤوا بالعدد الكبير لمتابعيهم، وهو ما استغلوه لاحقا لجني أموال، معظمها تأتي من عائدات الإشهار.
وقال وافي: “المؤثر الرقمي صار ينافس بطريقة غير شرعية وكالات الإشهار، التي تنشط قانونيا وتدفع الضرائب ولديها سجل تجاري، كما بات ينافس القنوات الإعلامية المتضرر الأول من الظاهرة، التي بإمكانها رفع دعاوى قضائية عليهم”.
وأبرز المتحدّث أن عملية الإشهار لابد أن تتم عبر مراحل قانونية، أوّلها إبرام عقد قانوني بين الشركة صاحبة المنتوج والمؤثر الرقمي، يحتوي ختم الطرفين وتوقيعهما “صاحب الإشهار والمؤثر”، وإذا كان المبلغ كبيرا، فيتم دفعه عبر حساب بنكي أو بريدي، لمراقبته واقتطاع الضريبة منه.
المؤثر الرقمي ينشط تحت تسمية “مكتبة متنقلة”
وكشف خالد وافي عن وجود قوانين تنظم نشاط المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي منذ 2019، تسمح لهم بفتح سجل تجاري، مع التصريح لدى مصلحة الضرائب، على غرار جميع التجار، كما يوجد قوانين لتنظيم عملية الإشهار، ومعاقبة المضلّلين، ولكن الإشكال حسب قوله، “أن تطبيق هذا القانون على أرض الواقع غير متاح، بسبب وقوع خطإ أو تحيين “الكود” المتعلق بنشاط المؤثرين، ففي التحيين الأخير لدى مؤسسة السجل التجاري، تم تغيير تسمية النشاط إلى مكتبة متنقلة، بدل “مؤثر رقمي”.
ويؤكد محدّثنا أنّهم تواصلوا مع مركز السّجل التجاري منذ 4 أشهر، للاستفسار والتنبيه للأمر، قبل حدوث قضية أوكرانيا، وبقيت المراسلات دون رد، خاصة بعد اختلاط الحابل بالنابل على منصات التواصل الاجتماعي.
وبالتالي، نشاط المؤثر على منصة التواصل الاجتماعي، هي مهنة مؤطرة قانونا، لكن نظريا فقط، وهو ما سمح باستغلال الثغرات القانونية الموجودة، وتداول أموال كبيرة خارج أطرها القانونية.