الوحدة الحقيقية
لم تكن في زمن القومية من كلمة في القاموس العربي تعلو على كلمة “الوحدة” التي لحّن لأجلها محمد عبد الوهاب قصيدة أحمد شفيق كامل “وطني حبيبي”، كما لحّن لها حلمي بكر قصيدة مدحت العدل “الحلم العربي”، وحلّق لأجلها فريد الأطرش بـ”بساط الريح”، وبقيت كلمة “الوحدة”، مجرد أغنية جميلة أو فيلم وطني، وفشلت كل محاولات تجسيدها، في التجربة الناصرية بالجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، إذ سقط من هذه الأشعار والأغاني والمحاولات السياسية برغم النيات الصادقة، أهمُّ عصب للوحدة وهو الأمن الغذائي الذي يريح الشعوب ويطمئن الأنظمة، فتجلس على طاولة النقاش أو الاجتماع أو تبادل الرؤى وهي غير ملتفتة إلى التهديدات القادمة من القوى الخارجية التي تعتمد دائما على “كابوس” التبعية الغذائية الذي تعاني منه الدول العربية على وجه الخصوص، لتحكم قبضتها، وتفرض منطقها، فكانت تدعم إسرائيل وهي الظالمة دائما، وتدرك أن الذي لا يؤمّن الغذاء للملايين من شعبه، لا يمكنه الانتقاد أو الاستنكار، ولا نقول المقاومة، فمرّت العقود، وكلما خسرنا حربا غذائية، خسرنا معها مواقعَ وأراضي وأنهارا.
من دون تخندُق أو انزواء مع الجزائر في طرحها على القمة العربية، لتحدّي الأمن الغذائي في الوطن العربي، فإن كل من لا يتحمس للفكرة ولا يباشر العمل لأجلها، ولا نقول ينتقدها، إنما هو فاقدٌ للصواب، فقد أبانت أزمة كورونا الصحية التي عزلت البلدان وأغلقت حدودها، وبعدها أزمة أوكرانيا الأمنية التي شلّت البواخر وحاويات الطعام، بأنَّ تحقيق الأمن الغذائي وفي أقرب الآجال، هو السلاح الأول لمجابهة كل المخاطر التي يمكنها أن تضرب الكرة الأرضية، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، ويبقى الاتحاد بين الدول العربية “مثنى وثلاث ورباع” وأكثر من ذلك، لتحقيق هذا الهدف الكبير والإستراتيجي، هو الحلّ الأمثل لتحقيق مشروع الجزائر القومي الغذائي، الذي تسير الجزائر بخطى سريعة جدا لتحقيقه، وقد تبلغ مبتغاها خلال أربع أو خمس سنوات، وهي تريد أن تُشرك أشقاءها في “الحلم العربي” الحقيقي و”الوطن الكبير” الحقيقي، وليس عبر بساط الريح الذي كان يتوقف مع آخر وصلة من الأغنية.
هناك دولٌ عربية عديدة، ومنها المتواجدة في شمال القارة الإفريقية حققت الكثير من الفتوحات الغذائية، وهناك دولٌ أوروبية ضاقت عليها الأرض وتقلصّت، وصارت تبحث عن أراض أخرى خارج حدودها للاستثمار في أمنها الغذائي، وسيكون من الرائع أن تنتقل تدريجيًّا الريادة في بعض المنتَجات الغذائية الأساسية وعلى رأسها القمح إلى بلدان عربية مثل السودان أو الجزائر، التي وُصفت بسلة الغذاء العالمي القادم، والأروع أن تجني معها دولٌ عربية شقيقة هذه الثمار، حتى لا تذهب إلى الشمال كما ذهب النفط العربي دائما إلى بلاد الغرب، فاستعملوه لتطوير الصناعة والزارعة، فحققوا به أمنهم الغذائي، وما حققناه نحن.