-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

انتخابات التغيير… وتغيير الانتخابات

عمار يزلي
  • 69
  • 0
انتخابات التغيير… وتغيير الانتخابات

بدأت الانتخابات كشكل من اختيار من يمثل الشعب، مع المجتمع الإغريقي الأثيني، بتمثيل الأعيان وكبار القوم في شكل مجلس شيوخ. اختلفت التقنية والطريقة بين الحضارات، والشورى في المجتمع الإسلامي، كانت خيارا وانتخابا لمن يصلح أن يمثل قومه.

مع تطور الزمن، واتساع رقعة التمثيل وانتشار التعلم وتقنيات التمثيل، بدأت الانتخابات في أوروبا على النحو الذي نعرفه اليوم بالتقريب، مع ما زاد عنها اليوم من تقنيات وأساليب، تهدف كلها إلى الوصول إلى كل أعضاء المجتمع في سن الـ18 فما فوق، والسماح لها باختيار من يمثله في مجلس العموم، البرلمان، والشيوخ بعد ما استحدث الأمريكان الغرفة الثانية لضبط التوازن بين الكتل الحزبية المتنافسة.

في كل هذا، كان الهدف عمليا، هو التمثيل الشعبي ومراقبة الحكومة، أي الجهاز التنفيذي في تسيير المال العامّ والعدل بين كافة أطياف وأفراد المجتمع وضمان “ديمقراطية الحياة العامة”، تنهي زمن التغوُّل الملكي الإمبراطوري والدكتاتوريات الحديثة المتولدة عن الانقلابات.

الهدف من كل هذا كان تغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي بما يضمن حياة حرة وكريمة لكل فرد من المجتمع الذي صار يتمتع، بعد الثورة الفرنسية سنة 1879م، بما وُصف بالمواطنة. صار الفرد “مواطنا”، يتمتع بحرية التنقل والبيع والشراء، ثم أصبح له الحق في صوت في البرلمان عبر ممثليه الذين انتخبهم الشعب، كما صار له الحق في حرية إبداء الرأي وانتقاد السلطة عبر مختلف وسائل الإعلام والتمثيليات الحزبية والنقابية.

كان هذا هو الظاهر، لكن الباطن لم يكن دائما على النحو الذي يبدو خارج وسط البحر من جبل الثلج. لقد كانت ولا زالت إلى اليوم، تحكم في العملية الانتخابية قوى المال والجاه، غير أن الغاية كانت دائما: تغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي عبر الانتخابات: تغيير، إما بالإبقاء على الجهاز الحاكم، مع تغيير في أساليب العمل، أو تغيير لإسقاط القوة المنافسة في السلطة سلميّا، وهذا في شكل يبدو تداولا تنافسيا على السلطة التنفيذية.

في المجتمعات التي انتقلت عنوة، بدفع من “دافع” “مدفع” أو”بدافع” من قوة معارضة مدعومة داخليا أو خارجيا، ستكون العملية شبه مقلوبة: “انتخابات من أجل تغيير الانتخابات”، خاصة إذا لم يحدث اتفاقٌ شامل بين فرقاء التغيير والانتقال. هدف المعارضة لم يكن دائما تغيير السلطة أو الحكومة عبر الانتخاب، بل تغيير الانتخابات فيما بعد لضمان البقاء بعد الوصول. كما أن السلطة القائمة ستعمل على تنظيم انتخابات من أجل البقاء والفوز، والأساليب معروفة، في كل العالم الثالث تقريبا. من يتولى السلطة لمدة، يصبح المتحكم في الانتخابات ومهندسا ومفصلا لها، وليس من السهل اختراق هذا التنظيم الإداري المتغلغل في الأوساط بعناية مركزة من السلطة القائمة.

هكذا كانت تجرى انتخابات الفوز الدائم بنسبة 99.99%، وهي التي جعلت كثيرا من سلطات العالم الثالث وسلطات كثيرة في العالم العربي والإسلامي، تبقى على نفسها “قائمة قاعدة”. رياح التغيير تأتي عادة من الداخل، إذا وجدت من يدعمها خارجيا، فستكون أكثر عنفا ولهيبا، وهو ما حدث معنا في تجربة الانتقال الديمقراطي والانتخابي.

اليوم، ومنذ نحو سبع سنوات، بدأنا نلمس هذا الاتجاه: “الانتخابات من أجل التغيير”، لا “البقاء بتغيير الانتخابات”. الأحزاب التقليدية، أحزاب السلطة كما سُمِّيت، بدأت بالتضاؤل نسبيا، رغم قوتها وسطوتها وهيمنتها السابقة، التي بدأت تفقدها لصالح قوى اجتماعية وسياسية جديدة، لا زالت تتطلع لمشاركة أكبر في عملية تغيير أوسع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!