بحثا عن السيادة
بات اليوم جليا أن “الاقتصاد سياسي” وأن “السياسة إيديولوجية” وأن كل ما عمل الغرب الرأسمالي منذ الثورة الفرنسية في 1789، وما حاول غرسه من قيم مجتمعية ليبرالية مستمدة من عصر النهضة الأوروبية وعهد الأنوار من “حرية” و”عدالة” و”حقوق”، اصطدمت حديثا مع تمدد الرأسمالية لتتحول إلى “ليبرالية جديدة” بلا وازع ديني ولا أخلاقي أحيانا، بل وتبشر بالحريات التي حددت سابقا بثواب في فلسفة الأنوار مع فولتير، فلم تعد لها حريات إلا “حرية الدوس على هذه القيم” عندما يتعلق الأمر بشعب غير ذلك المنحدر من أصول “الإغريق ـ رومانية”، وقيم غير قيم هذه الأخيرة ودينها ومصالحها، تلك المصالح التي تتعارض ومصالحهم. عندها، يصبح الاستعمار والاحتلال جائزا، بل وواجبا، وتصبح العدالة غير مواتية ولا تنطبق على من هم من ذوي البشرة غير البشرة البيضاء ولا على أصحاب “الحضارة البدوية” ولا “المتوحشين الباربار” الذين على الغرب المركزي، الأناني، يجب عليهم في نظرهم أن يقوم بعملية “تحضير” وإخضاع لهؤلاء بكل الطرق.
هكذا، انتقلت الرأسمالية إلى الإمبريالية بعد القرن مع القرن الـ18، ومازالت تتوسع وتوسع نفوذها عبر “الاستعمار الجديد” الاقتصادي والعقوبات والتهديد والوعيد والزجر والتخويف وحتى الهدم والتخريب للدول والشعوب التي ترفض الخنوع.
هذا النظام الاقتصادي السياسي الذي كان يتحدث في أدبياته الأولى على أنه لا يجوز تسييس الاقتصاد والثقافة والرياضة وحقوق الإنسان والأدب والدين والتجارة والفن، هو أول من خرق هذا البروتوكول في أول صراع مع القوى الرافضة للهيمنة، فيصبح عند شعوره بتعارض ذلك مع مصالحه كل من الاقتصاد والتجارة والرياضة والفن والعلم خاضعا لمعايير سياسية بامتياز، خارقا بذلك كل الأدبيات القديمة التي تدرَّس في الجامعات والمدارس بأطوارها.
أمام كل هذا، بدا اليوم التوجه شرقا لدى كثير من الشعوب التي ترفض مبدئيا الخنوع ورفضته تاريخيا عبر حروب تحريرية ووطنية طلبا للسيادة والاستقلال الوطني الكامل غير المنقوص، بدا وكأنه تحصيل حاصل: لا مفر إلا إلى وجهة تضمن لك حقك في العيش بكرامة وسيادة وبلا قيود سياسية وقيمية غريبة عنك مسلطة على رقبتك كسيف دمقليس.
ملف حقوق الإنسان، الذي صار فزاعة وسيفا يشهر في وجه كل قوة ودولة ترفض الخضوع لقيم الغرب حتى تلك غير الأخلاقية المناهضة للفطرة الإنسانية والدينية، صارت تشكل الهيمنة والسطو على حريات الآخرين حريتهم التي صاروا يرون أنها “يجب أن تنتهي عندما تبدأ وعندما تنتهي حرياتهم هم”.
التوجه شرقا، والتكتل ضمن تكتلات اقتصادية بعيدة عن الضغوط ونهب الأموال وفرض العقوبات والابتزاز السياسي وحجز وتجميد الأموال، بل والتصرف في الأرصدة البنكية للدول “غير الصديقة”، هو ما يدفع حتى بعض الدول السائرة سابقا في فلك الغرب، أن ترفض هذا الوضع وتسعى لتنويع علاقاتها بكل حرية بحثا عن مصالحها، باحترام الآخرين حتى ولو اختلفت معه في المصالح والقيم.
ما يحدث منذ الصراع الروسي الأوكراني، فرض معادلة جديدة وسيفرض ذلك تشكل أكثر من كتلتين اقتصاديتين متنافستين أو متكاملتين، كما هو الشأن مع تكتلات مثل بريكس وآسيان ومنظمة شنعهاي، وتكتلات إقليمية عربية وإفريقية، من شأنه أن يرفع الضغط عن الاقتصاديات النامية ومنها اقتصاديات الدول العربية والإفريقية وعلى رأسها الجزائر.
زيارة رئيس الجمهورية للصين الشعبية بعد يومين، تندرج في قلب هذه المعادلة؛ الصين هي أكبر شريك للجزائر في كل المجالات، دولة صديقة منذ الثورة مثلها مثل روسيا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا وحتى أوروبا وستكون المعبر نحو بريكس عبر روسيا.