-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

برجُ إيفل يتفتّت

برجُ إيفل يتفتّت

عندما أسندت فرنسا، لمهندسها أليكسندر غوستاف إيفل، شرف تصميم برج إيفل، المعلم الباريسي الشهير، في الذكرى المئوية الأولى للثورة الفرنسية، كانت تريد أن تعاهد العالم على أنها لن تحيد عن شعارها الشهير “حرية ومساواة وأخوّة”. ولكنها مع مرور الزمن مزّقت شعارها وفتّتت برج باريس العالي، الذي صار شكلا أو بناية حديدية من دون مغزى.

بيّنت الأحداث الأخيرة من جائحة “كورونا” إلى الألعاب الأولمبية، مرورا بالحرب الأوكرانية والأزمة الغازية والعدوان على غزة، بأن فرنسا مجرد تابع في هذا العالم، تقف مع الواقف، وتنوء بجانبها عن المطعون في الظهر، غير معترفة لا بالحرية ولا بالمساواة ولا بالأخوّة.

تشعر أحيانا أن رؤساء فرنسا يتبعون الولايات المتحدة الأمريكية ولا يخالفونها أبدا، ولو دخلت جحر ضبّ لما تأخروا عن دخوله، وفي بعض الأمور والأحيان نجدها، تحاول أن تزايد وتقود الغرب في التفاهات، ولا أحد يتبعها، كما في قضية منع الحجاب والنقاب وفي دعمها المقزِّز للمثلية، وقد تجلى هذا الموقف التعيس من فرنسا في حفل افتتاحها للألعاب الأولمبية الجارية حاليا في باريس.

وعندما استشرفت فرنسا عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، سارعت لطرح رأيها الغريب في قضية الصحراء الغربية، بالحديث عن الحكم الذاتي، من دون مناسبة ولا فائدة لها، غير إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، وليس المغرب، الذي هو آخر اهتماماتها.

كلنا نعلم لماذا غرّد دونالد ترامب بـ”مغربية الصحراء”، وهو يحمل حقائبه لمغادرة البيت الأبيض، في عهدته الرئاسية السابقة، شكرا وامتنانا للصهاينة، وتشبّثا بالعودة وبمساعدتهم له، فلم تمض ساعات أو ربما دقائق، حتى فتحت المغرب أحضانها “الدافئة” لكل صهاينة العالم بعسكرهم ومفكريهم وكهنوتهم.

ولكن لا أحد فهم لماذا خرجت فرنسا برأيها هذا، وفي هذا التوقيت، اللهم إلا إذا كانت تريد إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية وطبعا الكيان الصهيوني؟

تعرف الأمم الاستعمارية القديمة، بعض التراجع لصالح القوى الصاعدة من الصين وروسيا وتركيا والبرازيل، ولكن تراجع فرنسا تجاوز كل الحدود، وإذا واصلت على هذه السرعة في انحدارها واندحارها، فسيتلوَّث نهرها ويتفتّت برجها وتصبح عاصمة للظلام، في أكبر انتحار لأمة في التاريخ المعاصر.

قدّمت فرنسا في تاريخها الحديث عددا من القادة الذين خطفوا الاحترام، ومكّنوا للإمبراطورية الفرنسية من أن تصمد، بل تنافس بريطانيا العظمى، ولكنَّها في السنوات الأخيرة، صارت تقدِّم لنا مراهقي سياسة، كلما قالوا أخطأوا، وكلما فعلوا أهانوا بلادهم.

وإذا كان بنيامين نتنياهو قد بيّن للعالم بأسره من خلال خطابه في الكونغرس، بأنه هو من يقود أمريكا من أذنيها حيث يشاء، فإن فرنسا من دون أن يخطب فيها لا نتنياهو ولا بايدن ارتضت لنفسها أن تكون مجرّد ذيل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!