بعيدا عن ذهنية الأعراس الصيفية
الوتيرة التي تسير عليها هذه الأيام وهذه الأسابيع الأخيرة من عمر التحضيرات للألعاب المتوسطية بوهران، تسير على نحو مضطرد. اللحظات الأخيرة عادة ما تكون أسرع وأصعب وأثقل على المسؤولين والعاملين عليها.
منذ تعيين محافظ الألعاب والإشراف الشخصي لرئيس الجمهورية على متابعة مجريات التحضيرات، كثيرٌ من العراقيل وثقل السير بالتسيير الثقيل البيروقراطي وما يتعلق بالصرف وتحديث المنشآت الرياضية وما يسير في فلكها من مؤسسات وفضاءات، بدأت تتناقص تباعا، حتى إنه خلال ستة أشهر تم إنجاز ما لم يكن متوقعا في عامين.
ما لا يمكن أن يتغير بسهولة وبيسر، هو الذهنية المرتبطة بعقلية المسؤول والعامل والمتابع والإداري بشكل عامّ البسيط منه والمتوسط والسامي: الكل يسير ويُسيَّر أحيانا بالمهماز، ونادرا ما نجد الرغبة الذاتية والإرادة الإبداعية وروح الابتكار والتحدي موجودة لدى مسؤولينا، إذ عليهم أن يقال لهم ما يفعلون في كل كبيرة وصغيرة، وهذه معضلة الإنسان الجزائري بشكل عامّ: لا ينخرط في العمل إلا مدفوعا، وإذا قام مدفوعا إليه، لا بدافع شخصي، عليك أن تجد من يقوم بتصحيح أخطائه خلفه في ما بعد.
وهران، قبل أسابيع من موعد انطلاق الألعاب المتوسيطة تحوّلت إلى ورشات أحيانا في غاية الإزعاج: طرقات وشوارع مكتضة، وفوضى في النقل بسبب الحفر وإعادة تزفيت الطرقات والشوارع في عز الحرارة، أتربة في كل الاتجاهات وعادة ما تكون الأشغال منصبَّة على محور واحد: الطريق الذي تسلكه المواكب الرياضية أو الرسمية باتجاه قاعات الألعاب والملاعب والفضاءات الرياضية، فيما تبقى الشوراع والأرصفة الجانبية.. جانبا.
تظاهرة وهران، ونحن نبني الجزائر الجديدة، تقام على مستوى السياسة الجديدة، ليس على أساس “تخلّص من واجب” و”تملّص من مهمة”، أو كما كنا نفعله قبل هذا، وإلى اليوم أحيانا للأسف، كون الذهنية لم تتغير كثير ولا قليلا في بعض الأحيان وعلينا أن ننتظر سنوات إن لم يكن عقودا: كنا نقيم الاحتفالات والتظاهرات الرياضية الدولية، متوسطية أو إفريقية أو إقليمة بعقلية العرس: أن تصرف الدولة الملايير على التنظيم والتحضير إلى آخر يوم من الإشراف على التوديع ومنح الجوائز والتكريمات والتشريفات، دون أن نفكر في المدخول الذي نجنيه من هذا العرس؛ فالعرس كله خسارة على حساب المنظم، وهذه حالة الأعراس الصيفية، وعلى أساسها نقيس تنظيم “الأعراس” الرياضية والثقافية والفنية: نصرف بدون دخل. بل نجد أنفسنا “ندخل في الدين الضيق”، وضيَّعنا وأهدرنا أموالا ضخمة من أموال الخزينة التي هي أموال الشعب بدون أن يستفيد منها أحد.. إلا المشرفين على التنظيم والمؤسسات الفندقية والإطعام والنقل.
لهذا، تظاهرة وهران التي تقام كأول تظاهرة ضمن سياسة ترشيد النفقات، يراد لها على المستوى الأعلى، أن تكون كذلك، أن تكون كل تظاهرة استثمارا: نصرف لكي نجني، ونصرف لكي نُدخل أموالا، إن لم يكن عاجلا فعاجلا. لهذا يُنظر اليوم إلى تظاهرة وهران على أنها تظاهرة جديدة واستثمارٌ يجب تفعيله مستقبلا وآنيا: التظاهرة هي بوابة سياحية لوهران والمنطقة والجزائر، خاصة وأننا مقبلون على مشاريع سياحية مع دول عربية من قطر وغير قطر ومقبلون على إعطاء صورة جميلة وناصعة لمدينة تستحق هذه الصورة وأكثر وبلد له من المميزات والإمكانات السياحية والاقتصادية ما يرفعها إلى أعلى مرتبة في الوجهات المستقبلية وفي كل المجالات. هذه العقلية التي يجب أن تنظم على أساسها الفعاليات كلها: لا لصرف دينار واحد من دون مقابل استثماري. لا نريد تكرار سياسة “البريستيج” المنتهَجة عندنا سابقا: بريستيج يعتمد على صرف عائدات النفط وخرم الخزانة وإفراغها في الأعراس الصيفية.