-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

..بل حربُ المصحف

..بل حربُ المصحف

اثنان من أشهر علماء المسلمين، أحدهما قديمٌ عاش في القرن الخامس الهجري وتوفاه الله –عزّ وجلّ- في بداية القرن السادس، وهو أبو حامد الذي سمّاه أحدُ علماء المسلمين المعاصرين “غزالي الإحياء”، إشارةً إلى أحد أكثر كتبه شهرةً وهو كتاب “إحياء علوم الدين”، وثانيهما محمد الغزالي من القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، وقد أطلقَ عليه لقبُ “غزالي الأحياء”.

لم تقدِّر لي الأقدارُ أن أعاصر أبا حامد، ومعرفتي به سطحيةٌ لا تتجاوز قراءة سريعة لبعض كُتبه ومن غير فهمٍ لأكثرها، ولكنّ الأقدار خطّت في صحيفتي أن أعرف الشيخ محمد الغزالي بقراءتي أكثرَ كتبه، وبمخالطتي له بعدما صار يتردّد على الجزائر للمشاركة في ملتقيات الفكر الإسلامي التي وأدها الضالّون الذين أرادوا أن يُطفئوا نور الله في الجزائر، وبعدما جاوَرَنا أستاذًا في جامعة “الأمير عبد القادر”، ورئيسًا لمجلسها العلمي، وقد سعدتُ بمرافقته في بعض زياراته، وبزيارتي له في مقرِّ إقامته في قسنطينة، وزيارتي له في منزله بالقاهرة.

في سنة 1967 كنتُ طالبا في مدينة الكويت، وذات يوم وأنا أمشي في ساحة الصّفاة لفت نظري تجمُّعٌ بشريٌّ فاقتربتُ منه استطلاعا للخبر، فإذا رجلٌ جالسٌ وأمامه بضعُ عشراتٍ من الكتب يبيعها، وكلُّ واحدٍ من ذلك التجمُّع يستعجل شراءَ كتابٍ معيَّن، كان عنوان الكتاب “الإسلام في وجه الزحف الأحمر” للشيخ محمد الغزالي، الذي كان يفنِّد أفكار الشيوعية، ويجادلُ بعلم وبحماس “أنبياءَها” في العالم وفي الوطن العربي.. ومنذ ذلك الوقت بدأتُ أهتمُّ بكُتب الرجل وأفكاره، وقد سعدتُ عندما كلّفني الأستاذ عبد الوهّاب حمّودة، مديرُ الملتقيات والفكر الإسلامي في وزارة الشؤون الدينية، بإجراء حوارٍ تلفزيوني مع الشيخ محمد الغزالي والدكتور عبد اللطيف عبادة، وذلك بمناسبة عقد ملتقى القرآن الكريم بقصر الأمم، ولا أعلم سببَ عدم بثِّ ذلك الحوار، كما تشرّفتُ بكتابة “مقدّمة” لكتابه “حديث الاثنين”، وهو جمعٌ لأحاديثه الدينية التي كان يلقيها أسبوعيًّا في التلفزيون الجزائري، وقد جمعها الأستاذ عبد القادر نور، المديرُ الأسبق للإذاعة الوطنية، وقد تبرّع الشيخُ بحقوقه المادّية من هذا الكتاب لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة من الجزائريين.

لقد أحسنت جريدة “الشروق اليومي” التي تنشر كثيرا من كتابات الشيخ محمد الغزالي الحيّة المُحيِيَة، ومنها ما نشرته في يوم الخميس الماضي، 26 مارس 2026، من مقدّمة الشيخ الغزالي لكتابه الذي اختار له عنوان “معركة المصحف”.

كنتُ أودّ لو أنّ شيخنا سمّى كتابه القيّم “حرب المصحف” وليس “معركة المصحف”؛ ذلك لأنّ المعركة قصيرة الزمان، محدودة المكان، فنقول معركة بدر، ومعركة أحُد، ومعركة حطين، ومعركة عين جالوت… وأما الحربُ فهي ممتدَّةٌ في الزمان والمكان، ومنها “الحروب الصليبية”، وحرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا… وأمّا بالنسبة إلى المصحف فالحربُ التي شُنَّت عليه ابتدأها الملأُ من قريش ثم راحت تتوسّع حتى شملت العالمَ كلَّه، ولن تتوقّف حتى يحين حينُ هذه الحياةِ الدنيا، وشعارُ هذه الحرب منذ بدأها كفّارُ قريش هو “لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلّكم تغلبون”، وما هم بغالبين إن شاء اللهُ بل مغلوبون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!