-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بلورة فكر سياسي وطني غاية إستراتيجية

بلورة فكر سياسي وطني غاية إستراتيجية

تَمكَّنت الآلة الإعلامية والدعائية والاستشراقية الغربية في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، من مَنع تبلور فكر سياسي وطني أصيل في بلداننا يكون أساس إعادة بناء الدولة فيها. تم تشويه التراث السياسي الإسلامي بالدرجة الأولى. وجرى تغييب كل المحاولات التنظيرية الأخرى التي حاولت الحفر في المخزون الوطني والحضاري لبناء قاعدة فكرية غير غربية لإعادة بعث الدولة على أسُس وطنية ذات عمق تاريخي وبُعد حضاري.

بمعنى آخر، تم خنق القاعدة الفكرية لنهضة وطنية أصيلة بكافة الوسائل… التشويه، التحريف، الدعاية، المَنع القسري… الخ. كل ذلك حتى يبقى البديل الغربي ليس “الوحيد” لتشكيل روح الدول الجديدة التي حاولت التحرُّر من هيمنة الاستعمار التقليدي الذي دام أكثر من قرن، إنما الأداة الوحيدة لمنع بلورة فكر سياسي ذاتي بديل أو على الأقل ضبط إطاره العامّ. أي أن أساس عمل المنهجية الاستعمارية الجديدة لم يقم، كما تُرَوِّج له الدعاية الإعلامية والاستشراقية المعاصرة، على تحويلنا إلى ديمقراطيات عصرية ونحن نرفض ذلك، إنما على أن نصل إلى حالة هجينة نفقد خلالها القدرة على تجديد فكرنا السياسي، وفي ذات الوقت لا نتمكن من تَمثُّل الفكر الغربي الديمقراطي تَمثُّلا كافيا قد نستلهم منه بعض التطويرات الفكرية والعملية .

وهي الحالة التي تكاد تنطبق على أكثر من تجربة سياسية في العالمين العربي والإسلامي وحتى في العالم الثالث. وتتجلى خصائصُها بوضوح في طبيعة التعامل السياسي الذي يخصُّنا الغربُ به، كمستعمرات سابقة من ناحية، وفي التناقضات الحاصلة في ممارساتنا السياسية اليومية كشعوب ونُخب على أكثر من صعيد، من ناحية أخرى.

ولعل أفضل تمثيل واقعي لذلك، تلك الثنائية في السلوك السياسي للقوى الغربية وبخاصة القوة الاستعمارية السابقة منها عندما نجدها، في الوقت الذي تزعم فيه تأييد شعوبنا لتتحوَّل نحو الديمقراطية، تقوم بدعم الأنظمة السياسية الموالية لها الرافضة للديمقراطية! كما  يُمكن ملاحظة ذلك بشكل مباشر في التناقض الذي تعيشه ممارسة النضال السياسي في الداخل وفي المهجر، خاصة عندما لا تجد الفئات الشعبية والنخب المهاجرة مثلا تفسيرا ولا تبريرا لهذه الأنظمة الغربية التي من جهة تُتيح لها حرية التعبير والتظاهر لمعارضة أنظمتها تحت عنوان أن ديمقراطياتها تقول بذلك، وفي الوقت ذاته تقدِّم كل الدعم للأنظمة السياسية التي”تساعدهم” و”تدعمهم” للثورة ضدها، عبر فتح البنوك الغربية لرموزها وتمكينها من ملاذات آمنة عبر أراضيها، لأن الطبيعة الليبرالية لديمقراطيتها تحتاج ذلك…؟!

ما العمل ونحن نعيش مثل هذا الحال اليوم؟

يبدو لي أن الاتفاق على أننا لا يمكن أن نُقيم دولة وطنية قادرة على البقاء والاستمرار في هذا العالم المتقلب، دون مراجعةٍ عميقة لفكرنا السياسي، تُعَدُّ خطوة باعثة للأمل للخروج من هذا التدهور المتواصل في الفكر والعمل الذي قد يعصف بأركان الدولة الوطنية إذا ما استمرت تتخبط في هذه الحالة الهجينة التي تعرفها اليوم، وتسعى الكثير من الأطراف لإبقائها كذلك.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • خالد بن الوليد

    لا بد من زوال الجهوية والحقرة والتمييز العنصري والديني والطائفي من الجزائر ومن الذهنيات البالية اولا وقبل كل شيء . علينا اولا الاعتراف بالاخر مهما كان عرقه ودينه ( حرية الاعراق والجنسيات والاديان بالجزائر )

  • ياسين

    والسؤال من يبلور هذا الفكر السياسي الوطني؟ ومن يسيطر اليوم على صناعة الرأي العام الوطني؟ هل هي النخبة المتشبعة بالفكر الوطني الأصيل؟ أم هي النخبة المتخفية في أثواب عدة تدعي الدفاع عن الشعب المظلوم كما تدعي؟ وهي في الحقيقة أشد عداوة لهذا الشعب ومقوماته الحضارية؟ والمشكل أن الرأي منخدع بهذا التيار الذي يتلاعب بعواطف الشعب؟ لركوبه وتحقيق أهدافه الخفية على ظهره؟