تبدُّلٌ في مفاهيم السياسة وإرباكٌ استراتيجي عالمي
يبدو لي أننا سنضطرّ بعد الحرب الأخيرة في أوكرانيا إلى مراجعة الكثير من المفاهيم والمسلّمات في العلوم السياسية وعلى رأسها مفهوم السيادة والأمن القومي والعولمة والقوى العظمى والاعتماد المتبادل والنظامين المالي والاقتصادي العالميين والقانون الدولي والأمن الجماعي وكل ما له علاقة بنظرية الدولة والعلاقات الدولية…
ولعل السبب الرئيس في ذلك يعود إلى أننا اكتشفنا في لحظة معينة أن كل ما كُنَّا نَعتبره مُسَلَّمات في هذا المجل هو غير ذلك في واقع الأمر. مَن كان يتصور أن ألمانيا تتخذ قرار العودة إلى التسلح وزيادة الإنفاق العسكري إلى أكثر من 100 مليار دولار في أقلِّ من أسبوع؟ مَن كان يتصور أن دولة كبرى مثل الولايات، أول قوة عسكرية في العالم، تجد نفسها في وضع إرباك استراتيجي غير مسبوق وغير قادرة على تحريك جندي واحد لحماية حليفتها أوكرانيا، ولا على إقناع تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو، بمجاراة سياستها ضد روسيا، ولا على تفسير كيف اضطرت خلال فترة وجيزة إلى الانتقال من اعتبار الصين أول أعدائها إلى العودة إلى أوروبا ومواجهة التحدي الروسي؟ مَن كان يتصور أن يمرّ قرابة شهر على بداية الحرب في أوكرانيا دون أن يستطيع الاتحاد الأوروبي إرسال طائرة عسكرية واحدة لنصرة إحدى الدول التي كان ينتظر انضمامها إليه؟ مَن كان يتصوّر أن الترسانة الإعلامية الغربية الكبرى تعجز عن الدفاع عن وجهة نظرها أمام وسائل إعلام روسية تعد على أصابع اليد الواحدة وتضطر في آخر المطاف إلى اللجوء إلى الغلق والمنع والرقابة على خلاف مبادئها القائلة بالانفتاح وحرية تنقّل المعلومات وحرية الرأي والتعبير… الخ. بل مَن كان يتصوّر أن دولة صغرى مثل مالي تستطيع تقنيا في 17 مارس الجاري منع وسائل الإعلام الفرنسية فرانس 24 وإذاعة فرنسا الدولية من البث عبر أراضيها بعد أن طردت قواتِها العسكرية وسفيرَها قبل أشهر من اليوم؟
بالفعل، إنَّ التبدُّلات الحاصلة على المستوى الاستراتيجي اليوم تضطرنا إلى مراجعة أكثر من مفهوم وموقف كنهاية سيادة الدولة القومية بالمفهوم التقليدي، وتحول العالم إلى قرية واحدة جراء كثافة شبكة الاتصالات، واعتبار الديمقراطية أفضل نظام سياسي بديل للشعوب والأمم، والثقة في النظام المصرفي العالمي وفي التعامل بالدولار الأمريكي وفي سيادة القانون في الدول الليبرالية… الخ.
إنَّ جميع الدول اليوم تتَّفق على الأقل على مراجعة مسألة حرية تدفق المعلومات وحرية الارتباط بالشبكات وتدعو إلى البحث عن أساليب لغلق المجال الوطني فيما يتعلق بحرية الوصول إلى المعلومة الوطنية من قبل الغير مهما كان نوعها. وهناك مَن يتحدث عن فرض السيادة الرقمية على الإقليم الافتراضي (السيبراني)، إلى جانب الإقليم الترابي (المادي). وتُقَدَّم الصين في هذا المجال كنموذج ناجح “استطاع تحقيق الاستقلال الرقمي” عن بقية العالم، حسب تعبير المدير العام لشركة “داسو” للأنظمة الرقمية برنار شارلاس… وهناك من يبحث في كيفية العودة إلى مرحلة ما قبل العولمة، وفي تشكيل تحالفات عسكرية على الطريقة التقليدية بين دولتين أو أكثر، وغلق الحدود التي يُفترض أن انترنت ألغتها، وإنشاء مجال اقتصادي وأمني خاصّ به مستقلّ عن الآخرين يُسمَّى “الاستقلال الذاتي الاستراتيجي”، تتم فيه مراقبة الاستثمارات الأجنبية وحرية تنقل الرساميل والمعلومات… الخ.
كل هذه المستجدات التي كشفت عنها جائحة كورونا منذ سنتين، أكدتها اليوم الحرب في أوكرانيا. ويبدو أن كافة المؤشرات تشير إلى أنها ستتأكد أكثر في المستقبل، وعلينا التكيُّف معها لأجل البقاء أولا، ولنكون طرفا فاعلا في عالم الغد ثانيا، لِمَ لا نستطيع؟