تجريد أشباه المستثمرين من مساحات عقارية واسعة
حمى وطيس المعركة القانونية بشأن العقار العمومي غير المستغل، من قبل عشرات المستثمرين غير الجادين في مختلف مناطق الجمهورية، وذلك تنفيذا لمخطط الحكومة الرامي لاسترجاع العقار غير المستغل بكافة أنواعه، وتطهير قطاع الاستثمار بوضع حد لظاهرة المضاربة، والتي تفاقمت على حساب الاستثمار الحقيقي الذي تنشده الدولة الجزائرية، لجذب رؤوس الأموال ودعم الاقتصاد المحلي والوطني، وامتصاص مئات الآلاف من البطالين.
وفي هذا السياق، أعلنت مصالح ولاية وهران، مثلا، عن حسم المحكمة الإدارية في سبعة ملفات دفعة واحدة، بإصدار أحكام نهائية تقضي بإلغاء سبعة عقود امتياز كانت تحت تصرف أشخاص لم يترجموا مشاريعهم على أرض الواقع، وظلت حبرا على ورق منذ ربيع 2017.
وفصلت المحكمة الإدارية في وهران في الفترة الممتدة بين 14 و21 أوت، في النزاع القائم بين مديرية الصناعة لولاية وهران ومجموعة من مالكي العقار العمومي غير المستغل، معلنة عن حسم المعركة القضائية لصالح الدولة، التي حركت ما لا يقل عن 23 دعوى قضائية تخص استعادة أوعية عقارية لم يتم استغلالها منذ مرور أكثر من 60 شهرا أو ما يزيد عن ذلك، تم الفصل في المدة الأخيرة في 7 ملفات بشكل نهائي في انتظار صدور أحكام أخرى في شهر سبتمبر، حيث برمج القضاء على مستوى ولاية وهران، ثلاث جلسات جديدة للفصل في دعاوى جديدة باستعادة عقارات “مسيجة” تابعة للملك العام، استولت عليها بطرق غير شرعية جماعات النفوذ في وقت سابق.
وتم تصنيف ذات المعركة القضائية في استعادة العقار موضوع استيلاء غير شرعي، ضمن حملة مكافحة الفساد التي باشرتها الجهات القضائية في الجزائر منذ ربيع 2019، لدكّ معاقل الفساد وتوقيف الضالعين في ملفات تبديد عقارات الدولة وهدر المال العام.
وستتيح عملية إلغاء عقود الامتياز في وهران، ضمن الحملة المستمرة في تطهير ملف الاستثمار، استرجاع أزيد من 155 هكتار من الأراضي غير المستغلة في ثلاث مناطق صناعية في وهران.
وكان والي وهران سعيد سعيود كشف في شهر مارس الفائت، أن القضاء أصدر خمسة أحكام نهائية باستعادة عقارات واسعة في المنطقة المسماة “سيدي البشير”، التي حولها بعض النافذين في الأعوام الأخيرة إلى أشبه بـ”ملكيات خاصة” في إطار حملة استرجاع أملاك الدولة العقارية، التي أخلّ المستفيدون منها بالتزاماتهم التعاقدية، مخالفين بذلك أحكام الأمر 08-04 المؤرخ في الفاتح من سبتمبر 2008، حيث صدرت هذه الأحكام بناءً على دعاوى رفعتها الولاية، لأسباب تعود إلى عدم إنجاز أي أشغال بعد المدة القانونية ورفض هذه الفئة، التخلي عن عقارات الدولة بطرق قانونية والإقرار بفشل مشاريعها الاستثمارية، حيث كان مقررا أن يتم إقامة مصانع لإنتاج الحليب ومشتقاته وصناعة البلاستيك ومواد البناء بالجملة، التي من شأنها توفير مناصب شغل جديدة.
وبحسب ما توافر من معطيات متطابقة، فإن اللجوء إلى القضاء كان أمرا حتميا، بسبب تعنت هؤلاء الأشخاص ورفضهم استلام إعذارات بإخلاء العقار من قبل محضرين قضائيين تم الاستعانة بهم من قبل السلطات العمومية، التي وجدت نفسها مرغمة على طرق أبواب القضاء لاستعادة حقوق الدولة، بإلغاء عقود امتياز بقوة القانون، تسريعا لوتيرة تطهير ملف الاستثمار.
وفي السياق نفسه، تم تشكيل لجنة محلية جديدة في ولاية سعيدة، بقرار صادر عن والي الولاية أحمد بودوح، الذي قرر إحداث ثورة إدارية في اللجان المحلية المكلفة بمتابعة مشاريع الاستثمار وانتزاع العقارات غير المستغلة، حيث لجأ إلى تعيين إطارات شباب ضمن لجنة ولائية تحت وصاية الوالي، مكلفة بإعداد إحصاء شامل ودقيق لكل الجيوب العقارية غير المستغلة، وفق مقاربة جديدة ترتكز على “العقار لمن يستغله”، في مسعى واضح لكبح أنشطة الاستثمار الوهمي في ولاية سعيدة، التي لم تتخلف هي الأخرى عن دخول أروقة المحاكم، لانتزاع 12 قطعة أرض من مستغلين غير شرعيين لعقارات الدولة.
وكان والي سعيدة في اجتماع تنفيذي، أفصح أنه تم إلى غاية تاريخ 31 جويلية، إصدار 149 قرار بإلغاء عقود امتياز، مكنت الحصيلة من استعادة 351 هكتار كانت تحت تصرف أشخاص لا علاقة لهم بقطاع الاستثمار، فيما يرتقب أن يتم إلغاء 28 مشروعا صناعيا، سياحيا وزراعيا، لم يتم إحالتها إلى واقع حقيقي، إذ بقيت مشاريع إنجاز خمسة فنادق سياحية في سعيدة، في خبر كان.
وتجسيدا لأوامر الرئيس عبد المجيد تبون، باسترجاع العقارات من غير مستحقيها وشطب غير الفاعلين من البطاقة الوطنية للمستثمرين، تم استرجاع 47 قطعة أرضية منحت في سياق الاستثمار الصناعي عبر مختلف مناطق النشاطات بولاية عين الدفلى، بينما لجأ أربعة من رجال الأعمال إلى إعادة مساحات عقارية لمديرية الصناعة بصفة طوعية، لتحاشي تسديد الرسوم التي يفرضها القانون على المخالفين.
وكشفت مصالح ولاية سيدي بلعباس، عن استعادة 23 وعاء عقاريا بالمنطقة الصناعية في عاصمة الولاية، وقررت اللجنة الولائية المكلفة بمعاينة مدى تجسيد المشاريع الاستثمارية، إلغاء هذه المقررات التي استفاد منها رجال أعمال في الفترة الممتدة بين 2014/2019 ولم يتم تجسيد ذات المشاريع على أرض الواقع لأسباب غير مفهومة حسبما أشار إليه ذات المصدر.
وعلى هذا النحو، تم في شهر جويلية الفائت، إلغاء 9 مقررات استفادة من عقارات في مناطق النشاطات في ولاية الشلف، من غير مستحقيها، الذين حصلوا على مساحات تتراوح بين 4000 و6000 م2 في سنوات 2007/ 2012/ 2014/ 2017، لكن كافة المشاريع التي كانت مدونة على الورق لم تر النور، حيث تم استعادة هذه العقارات في سياق تنفيذ توجيهات الحكومة بتطهير العقار الصناعي والموجه للاستثمار، وذلك بعد استلام المستثمرين غير الجادين، إعذارات رسمية عقب تحقيقات جادة وزيارات ميدانية إلى المواقع المخصصة لتنفيذ المشاريع، مع العلم أن الشلف كانت معنية بإنجاز مصنع لإنتاج الحليب ومشتقاته على الطريق الوطني رقم 04 واحتضان سوق للخضر والفواكه بحي الحسنية على مساحة 7000 م2 وحظيرة سيارات بأربعة طوابق، لكن لا شيء تحقق على أرض الواقع.
ويكاد نشاط استعادة العقار العمومي غير المستغل، السمة الغالبة في أنشطة ولاة الجمهورية، تنفيذا لتوجيهات الوزير الأول، الذي حدد حيزا زمنيا مقدرا بـ18 شهرا، وذلك اعتبارا من شهر فيفري الماضي، لأجل تطهير ملف الاستثمار وضبط استعمال العقار الفلاحي أو الصناعي أو السياحي، واسترجاع العقارات غير المستغلة ومنحها للمستثمرين الحقيقيين بهدف الوصول إلى الأمن الغذائي.
وصارت مئات القطع الأرضية غير المستغلة، منحت لمستثمرين بدون أن يقوموا بتجسيد المشاريع المبرمجة، هدفا للحكومة من أجل استرجاعها ودمجها ضمن العرض العقاري الموجه للاستثمار، لتفادي الوقوع في كوارث الماضي، التي شهدت توزيع مساحات كبيرة من الأوعية العقارية، دون أن تكون محل استغلال.
ويعود جزء من العقار الصناعي غير المستغل تحديدًا، إلى فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، إذ مُنح لرجال أعمال مقربين من المحيط المباشر للرئيس الراحل ومستشاريه، آلاف التجزئات الحاملة للطابعين الفلاحي والصناعي دون أن يتم ترجمة مشاريعهم على أرض الواقع، ويوجد بعض هؤلاء في السجن، حيث يقضون عقوبة بتهم فساد.
وأعلن الرئيس عبد المجيد تبون في ديسمبر الماضي عن إنشاء “الوكالة الوطنية للعقار الصناعي”، مهمتها توفير العقار الصناعي للمستثمرين بكل شفافية ورفع القيود عن المشاريع المتوقفة، وقال إن بعض العقارات “وُزعت قبل 10 سنوات ولم تستغل إلى اليوم”.