تحدّي النار
في الوقت الذي زحفت الصحراء، بكل مشتقاتها القاتلة، من عواصف رملية وحرارة وجفاف، فأتت على الأخضر الحيّ في ولايات عديدة من الشمال الجزائري، مثل الأغواط وتبسة وخنشلة والشلف وغليزان، حتى أن بعضها صار يُصنَّف ضمن المناطق الصحراوية، في هذا الوقت صمدت ولايتان فقط، بقيت فيهما الغابة هي السيدة، وتمثل أكثر من نصف المساحة الإجمالية لهاتين الولايتين، وهما سوق أهراس والطارف، وظلتا تمنحان الأوكسجين للزائرين كلما ضاق التنفس من الحرارة والجفاف، فكان منطقيّا أن يصف الجزائريون مدينة القالة على سبيل المثال بالجنة، فهي تمتلك كل مقومات الجنان الباهرة بالأخضر منظرا، وبالهواء استنشاقا، وبالحياة عموما.
لم تندمل جراحات تيزي وزو وبجاية التي قضت على كنوز جرجرة، وحوّلتها إلى رماد، حتى هبّت عواصف النيران في دوريتها الشرقية إلى ما تبقى من الثروات الطبيعية الخضراء التي خص الله بها الجزائر، لتكتمل الفاجعة البيئية الخطيرة التي صارت تهدِّد الحياة وليس أسباب الحياة فقط.
لا جدال في أن للحرارة الشديدة التي صارت تصفع أرضنا في كل صائفة والتضاريس الوعرة التي توجد فيها الأدغال الخضراء، يدًا في هذه الفاجعة الطبيعة، ولكن لا يمكن أن نبرِّئ أنفسنا، ونردها بالكامل إلى أسباب خارجة عن نطاقنا، فقد لُدغنا من نفس جحر النار في الصائفة الماضية عندما فاجأت النيران أهل خنشلة وتيزي وزو وعنابة، وقيل حينها إن التغير المناخي ويد الإجرام هما من حوّلتا جناننا إلى جحيم، كان من المفروض، والمعلن عنه، هو العمل طوال فصول السنة لأجل تفادي الجحيم مرة أخرى، وأيضا من أجل إرجاع القليل من الكثير الضائع من الغطاء الغابي الذي يعدُّ من أهمِّ ثروات الجزائر إضافة إلى المياه السطحية والجوفية، إن لم يكن الأهمّ على الإطلاق، لكن أن نُلدغ مرة ثانية من نفس الجحر، فمعنى ذلك أننا لن نعيب فقط زماننا بمناخه الحار ورياحه الهوجاء، وجغرافيتنا بتضاريسها الوعرة، بل يجب أن نعترف بأن العيب فينا أيضا، في غياب وزارة غابات كبرى بميزانية ضخمة وكفاءات، لا تحافظ فقط على الغطاء الغابي، وإنما تطوِّره.
تحدي النار وتفادي جحيمها هو من أكبر الأفعال التي يجب للإنسان عموما والمؤمن خصوصا تجاوزها، بفعل الخير والنهي عن المنكر والنُّصح بالمعروف، وحب الطبيعة والحياة بحيواناتها ونباتاتها وبحارها وصخورها وصحرائها، وقد تمكنت النار من الانتصار علينا في السنة الماضية عندما خطفت منا آلاف الهكتارات، وكررت فعلتها هذا الموسم، وما زال تحدي النار غائبا، لأن ما حدث من عمليات تشجير خلال الموسم الماضي، لم يمثل واحدا من المليون من الفاجعة.
دعونا نساير الطرح الذي اتهم التغيُّرات المناخية ونقص الإمكانات والأيادي المخرِّبة، ونُجمع على أنها اتحدت على حرق الغطاء الأخضر الذي يحمينا من زحف الصحراء ومن الجفاف، ولكن ما الذي يمنعنا طوال السنة من غرس ملايين الأشجار في أكبر تحد للنار، وليس بضع شجيرات في كرنفالات ولائية وبلدية منقولة على شاشة التلفزيون؟