من بعيد
ثرواتنا وكيسنجر.. والراقصة نجوى فؤاد!
ظل الغرب لقرون مهووسا بالشرق ونسائه ولياليه وجلسات السمر، لهذا سيطرت عليه فكرة أساسية هي “اقتحام أجساد نسائنا”، انطلاقا من أساطير ألف ليلية، عبر اغتصاب الأرض ونهب الخيرات، حتى أن بعض ممن اهتموا بالتاريخ ـ كتابة ونقداـ يرون أن إحدى الدوافع لاحتلالنا لقرون من الزمن قامت على العلاقة غير السوّية لجهة النظر إلى المرأة في العالم الإسلامي والشرق عموما، بما في ذلك الأمم الأخرى في الدول الآسيوية والأفريقية، والتي تحولت مع الزّمن إلى قبول بالآخر، حتى أن كثيرا من المسلمات الآن متزوجات من أهل الكتب السماوية الأخرى ومن الوثنيين، وهذا نتاج العلاقة مع الغرب الاستعماري.
-
الشواهد كثيرة عن تلك العلاقة غير السوية، والتي تعود في أصولها إلى النظرة الاستعلائية للغرب. والحديث هنا لا يركز عن علاقات الحب المتبادل بين البشر كحالات فرديّة، وإنما يهتم بالأساس بالعلاقات المنظمة الواعية لجهة غزو المجتمعات، العقول والأجساد، ولاشك أن تراثنا المجتمعي والثقافي والتاريخي في دولنا الإسلامية ساهم في ذلك إلى حد بعيد.
-
مناسبة التطرق إلى هذا الموضوع، المقالة التي كتبها “هنري كيسنجر“، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، بالتعاون مع البروفيسور “مارتن فيلدشتاين”، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، وكبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، ونشرت فكرتها الأساسية في جريدة القدس العربي بتاريخ 18 سبتمبر الجاري، وعلق عليها في مقال مستفيض رئيس تحريرها “عبد الباري عطوان“ بتاريخ 22 سبتمبر الجاري، ومن الضروري العودة إليها من طرف القراء لمعرفة أهمية القضية التي يطرحها.. على العموم، فإن من أهم ما جاء في تلك المقالة ما يلي:
-
ـ أن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى نشوء أكبر ظاهرة بالتاريخ لانتقال الثروات من منطقة بالعالم إلى أخرى، الأمر الذي قد تكون له آثار سياسية مستقبلية.
-
ـ أن دول أوبك ستحصل خلال العام الحالي على ما قد يصل إلى تريليون دولار.
-
ـ لكي تتجنب الدول الغربية المستوردة استمرار تعرضها لفرض دول أوبك أسعارا للنفط من خلال التلاعب بالعرض، فإن عليها أن تقلص أولا اعتمادها على النفط المستورد، وثانيا تقوم بتطوير إستراتيجية سياسية لمواجهة هذا التلاعب بالسوق، وذلك لتجنب قيام دول أوبك باستعمال أرصدتها الماليّة الكبيرة للابتزاز السياسي.
-
ـ أنه ما لم تقم الدول الغربية المستوردة بما سبق، فإنه سيؤدي إلى عواقب سياسية واقتصادية، منها: أن أسعار الطاقة المرتفعة ستؤدي إلى خفض مستويات الحياة بالدول الغنية المستوردة، وكذلك إلى موازين مدفوعات غير متوازنة، وأيضا إلى ضغوط تضخمية، وستكون الآثار على مستويات الحياة أشد بالدول النامية.
-
ـ أنه حتى مع هبوط سعر البرميل إلى حوالي 100دولار، فإن دول الشرق الأوسط ستحصل هذا العام على 800 مليار دولار عائدات نفطية، سيذهب أكثرها إلى دول قليلة السكان، مثل أبوظبي التي تراكم لديها ما مقداره تريليون دولار من وفورة العائدات النفطية.
-
ـ أن تراكم هذه الثروات في دول ضعيفة يجعلها عرضة لأطماع جيرانها الأقوياء، كما أنه سيعطيها قدرة غير متناسبة للتأثير على الشؤون الدولية، وذلك من خلال طريقين؛ أولهما: احتمال تسرب بعض هذه الثروة إلى مجموعات راديكالية إسلامية مثل “حزب الله“ من خلال التبرعات العامة والخاصة، ثانيهما: أن تقوم هذه الدول باستثمار فوائضها المالية عبر صناديق الثروة السيادية في الدول الصناعية المتطوّرة.
-
ـ أنه بفضل تزايد الثروات السيادية أخذت تنتقل من الاستثمار السلبي بالسندات الحكومية والأوروبية إلى الأسهم، بل وإلى شراء شركات بالكامل، وهذا سيؤدي مع نموه اللاحق إلى تزايد تأثير هذه الدّول على الاقتصادات الغربية.
-
ـ لمواجهة التداعيات المستقبلية لمثل هذه الأوضاع على الدول الصناعية الغربية المستوردة للنفط إلى تنسيق مواقفها وحشد مواردها لتشكيل توازن اقتصادي وسياسي عالمي يخدم مصالحها. وعلى أمريكا أن تلعب دورا رئيسيا في تشكيل تجمع يشمل الدول الصناعية السبع الكبرى، زائدا الهند والصين والبرازيل، والهدف من ذلك تغيير اتجاهات العرض والطلب على المدى الطويل من أجل إنهاء ابتزاز الدول الضعيفة (المنتجة للنفط) للدول القويّة، كما يمكن ويجب دعوة روسيا إلى المشاركة في هذا الجهد.
-
ـ أنه كان في المقدور، عبر الجهد المنسّق المشترك، خفض أسعار النفط عن طريق تقليص ثم إنهاء ضغوط المضاربات التي أسهمت في ارتفاع الأسعار، ومن ثم وضع سياسة عرض منسجمة.
-
ـ يعترف الكاتبان أن الإجراءات اللازمة لخفض الاعتماد على النفط المستورد، مثل: ترشيد الاستهلاك واستعمال طاقات بديلة وزيادة الانتاج المحلي، تحتاج إلى وقت غير قصير، إلا أن الإعلان عنها سيؤدي إلى توقعات تقود إلى خفض الأسعار.
-
ـ أخيرا، يرى الكاتبان بأن ارتفاع أسعار النفط هذا العام نجم عن تغير في توقعات نمو الطلب على المدى الطويل، في الوقت الذي ظلت فيه الإمدادات ثابتة، وبالتالي وعلى أساس نفس المنطق، فإن توقع انخفاض الطلب الغربي على امدادات أوبك مع زيادة الانتاج المحلي بالغرب سيؤدي إلى نتائج تخفيضية سريعة بالنسبة لأسعار النفط.
-
بالرغم من الأهمية السياسية والإستراتيجية لكل ما يكتبه أو يصرّح به هنري كيسنجر، إلا أنه لا يمكن اعتبار ذلك من المسلمات، أو من القضايا التي لا تكون محل مناقشة أو جدل وأحيانا رفض، مع العلم أن ما يتبع آراءه من ردود أفعال في العالم الإسلامي لا يوليها كيسنجر اهتماما، بدليل عدم تغير مواقفه حول كل القضايا التي يطرحها وتخصنا. مع هذا كله، فلنحاول أن نقف عند ما طرحه في مقاله المشترك مع البروفيسور مارتن فيلدشتاين.
-
فقولهما أن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى أكبر ظاهرة بالتاريخ لانتقال الثروات من منطقة إلى أخرى في العالم ليس صحيحا، فقد انتقلت رؤوس الأموال في كل مراحل التاريخ اعتمادا على الانتصارات العسكرية والاكتشافات العلمية والثورة الصناعية وظهور الطاقة والتطور الحضاري.
-
القول بأن دول أوبك تتلاعب في أسواق النفط من خلال المضاربة ليس واقعيا، والصحيح هو أن سوق النفط يتصرف فيها المضاربون من الدول الغربية، ناهيك على أن أمريكا مستفيدة أكثر من غيرها من ارتفاع أسعار النفط، مثلما أن الادعاء بأن دول أوبك تستعمل مداخليها للابتزاز السياسي ليس صحيحا؛ لأنها أضعف من أن تكون في مستوى التحدي أو حتى الندية للدول الغربية.
-
انخفاض مستوى المعيشة في الدول الغنية نتيجة للغلاء المعيشة في الغرب، لا يتم بمعزل عن الغلاء في العالم، بل أن شعوب الدول المصدّرة للنفط هي أكثر تضررا مقارنة بالدول الصناعية الكبرى، وخير مثال على ذلك الدول الخليجية. وهنا من الضروري الوقوف أمام قول الكاتبين: “أن دولا قليلة السكان ستتراكم لديها الثروة“، ما يشير بالتحضير إلى تدخل بات وشيكا من طرف الدول الغربية.
-
المثير للاهتمام في المقالة، التأكيد على أن زيادة الثروة في الدول الضعيفة يحولها إلى صاحبة تأثير في الأحداث والقرارات الدولية، لدرجة تحكمها في سوق الأسهم وشرائها لشركات كبرى. ذلك لأنه مع اعترافنا أن تدفق رؤوس أموال الدول النفطية في الغرب أصبح مستفزا، إلا أن عدم القبول بها يتناقض مع العولمة، أي أن الدول الضعيفة غير مقبولة في الحقل العالمي حتى لو كانت صاحبة ثروة، متهمة أيضا بتدعيم قوى المقاومة في المنطقة مثل حزب الله، مع أن تلك المنظمات تحارب من أجل الاستقلال والخروج من المعاناة والفقر، أي أن هذا الأخير هو المحرك وليس العكس.
-
خلاصة القول، أن مقالة كيسنجر وصاحبه تكشف عن عقلية الاستعلاء في الغرب، وتحملنا مسؤولية ما يحدث في العالم، وتحذّرنا من امتلاكنا للثروة أو حسن الأوضاع وزيادة الدخل، حتى لم نكن مسؤولين عن ذلك.
-
يبقى أن نشير هنا إلى أن هنري كيسنجر يحمل ميراث الغربيين في نظرتهم عبر التاريخ للشرق، فقد ذكرت الراقصة المصرية “نجوى فؤاد“، في حوار لجريدة الشرق الأوسط ـ في جويلية 2007: “لعل أبرز من تقدّم لطلب الزواج مني كان وزير الخارجية الأمريكي السابق “هنري كيسنجر”، الذي رفضته، وكردة فعل بعدها تزوج من امرأة اسمها “نانسي” شديدة الشبه بي. وقد كان يبدي كل من شاهده إعجابه الشديد بجمالي الشرقي، حيث كان يشاهد في نجوى فؤاد ما كان يسمع أو يقرأ عنهم في قصص ألف ليلة وليلة“.